
من بين أكثر المسلمات رسوخًا في العقل الحديث تلك الفكرة التي تفترض أن كل تغير عظيم لا بد أن يكون نتيجة مسار طويل من التراكمات البطيئة. فكلما كان الحدث أكبر حجمًا ازداد اقتناعنا بأنه لا يمكن أن يقع إلا عبر مراحل متدرجة وممتدة في الزمن. وقد انعكس هذا التصور على كثير من الميادين المعرفية، من تفسير نشأة الكون والحياة إلى تفسير التاريخ والحضارة والإنسان نفسه. بيد أن متدبر القرآن الكريم يواجه رؤية مختلفة بصورة لافتة للنظر. فالقرآن، على الرغم من اعترافه بوجود السنن والتدرجات والأسباب، يلفت الانتباه مرارًا إلى نوع آخر من الظواهر يتمثل في التحولات الفجائية الكبرى التي تقلب الأوضاع رأسًا على عقب خلال لحظة واحدة، أو خلال زمن قصير للغاية إذا ما قورن بما سبقه من مقدمات.
ولعل من أبلغ الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ (القمر: 50). فالآية لا تصف مجرد السرعة، بل تشير إلى نمط مخصوص من الفعل الإلهي؛ نمط لا يحتاج إلى سلسلة طويلة من المراحل حتى يبلغ غايته. إن الأمر الإلهي حين يحين أوانه يتحقق دفعة واحدة، كلمح البصر، أي في زمن يكاد يخرج عن حدود الإدراك البشري المعتاد. وتزداد هذه الفكرة وضوحًا عندما نتأمل الآيات الكثيرة التي تتحدث عن مجيء الساعة أو العذاب أو التحولات التاريخية الكبرى على نحو “بغتة”. فالقرآن يكرر هذا التعبير في أكثر من موضع، وكأنه يريد أن ينبه الإنسان إلى خطأ جوهري في طريقته في فهم الزمن. فالإنسان ينظر إلى الحاضر الممتد أمامه فيتوهم أن المستقبل سيكون امتدادًا خطيًا لما هو قائم الآن، بينما تخبرنا الرؤية القرآنية أن التاريخ قد يخفي في داخله نقاط انعطاف حادة لا يتوقعها أحد. ولهذا جاء وصف الساعة بأنها تأتي بغتة، ليس لأنها تقع بلا مقدمات، بل لأن الإنسان يعجز غالبًا عن رؤية المقدمات المتراكمة التي تهيئ لها. فالمفاجأة ليست في الحدث نفسه، وإنما في قصور الإدراك البشري عن تبين اقترابه. ويبلغ هذا التصور ذروته في الآيات التي تتحدث عن الخلق والإيجاد: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. فالمسافة بين الإرادة الإلهية والتحقق الفعلي للشيء تكاد تختفي في التعبير القرآني. وليس المقصود هنا تقديم وصف فيزيائي لآلية الخلق، وإنما الإشارة إلى أن ما يبدو مستحيلًا أو بعيدًا أو متعذرًا من منظور الإنسان يتحقق في لحظة متى تعلقت به الإرادة الإلهية.
ومن اللافت أن هذا التصور لم يغب عن التراث الصوفي الإسلامي. فقد عبّر المتصوفة عنه بعبارات شديدة العمق والإيجاز، ومن أشهرها قولهم: “بين إغماضة عين وانتباهتها، يغيّر الله من حال إلى حال.”
فالحياة الإنسانية، وفق هذا الفهم، ليست مسارًا خطيًا ثابتًا، بل هي معرضة دومًا لانعطافات مفاجئة قد تنقل الإنسان من حال إلى حال، ومن مقام إلى مقام، ومن ضعف إلى قوة، أو من قوة إلى ضعف، خلال لحظة واحدة لا تكاد تُقاس. والأهم من ذلك أن هذا المبدأ لا يقتصر على الأفراد، بل يشمل الأمم والحضارات أيضًا. فالقرآن مليء بقصص أقوام بلغوا ذروة القوة والازدهار ثم انهارت أوضاعهم فجأة عندما بلغوا نقطة حرجة معينة. وفي المقابل نجد جماعات مستضعفة تبدو عاجزة عن تغيير واقعها، ثم تنقلب موازين القوى لصالحها ما بين إغماضة عين وانتباهتها.
ومن هنا يمكن النظر إلى التاريخ البشري كله بوصفه سلسلة من التراكمات الطويلة تتخللها قفزات فجائية. فسنوات وربما قرون من التغيرات البطيئة قد تنتهي إلى لحظة حاسمة واحدة تغير كل شيء. وهذا ما نراه في الثورات الكبرى، والانهيارات الحضارية، والاكتشافات العلمية المفصلية، وحتى في التحولات الشخصية العميقة التي قد يعجز الإنسان عن تفسيرها إلا بعد وقوعها. إن الدلالة البالغة لهذه الرؤية لا تقتصر على بعدها الديني، بل تمتد إلى بعدها المعرفي أيضًا. فهي تحرر العقل من ذلك الانحياز الذي يجعله أسير التدرج وحده، وتدعوه إلى الاعتراف بأن الواقع هو أكثر تعقيدًا مما نتصور. فكما أن هناك ظواهر تنمو ببطء، فإن هناك أيضًا ظواهر تنتظر لحظة حرجة معينة، فإذا بلغتها انتقلت فجأة إلى طور جديد.
ولعل هذا هو ما يجعل الرؤية القرآنية أقرب إلى كثير من الظواهر التي يكشفها العلم المعاصر في مجالات متعددة؛ حيث تتراكم الأسباب بصمت طويل، ثم يقع التحول دفعة واحدة. فالثوران البركاني، والانهيار الجليدي، والانقلاب المناخي، بل وحتى بعض التحولات البيولوجية والاجتماعية، كلها تذكرنا بأن الطبيعة نفسها لا تتحرك دائمًا وفق إيقاع خطي هادئ، بل تعرف هي الأخرى لحظات الانعطاف الحاد.
وهكذا يبدو أن القرآن الكريم يقدم لنا تصورًا للوجود والتاريخ يقوم على الجمع بين السنن والتراكمات من جهة، وبين القفزات والتحولات الفجائية من جهة أخرى. فليس كل شيء تدريجيًا، كما أنه ليس كل شيء فجائيًا. لكن الخطأ الأكبر يكمن في تجاهل أحد البعدين لحساب الآخر.
ومن هنا يمكن القول إن “كن فيكون”، وآية “كلمح البصر”، ووصف الأحداث الكبرى بأنها تأتي “بغتة”، ليست مجرد تعبيرات بلاغية متفرقة، بل هي أجزاء من رؤية قرآنية متكاملة تذكر الإنسان بأن العالم الذي يعيش فيه ليس عالم التدرج وحده، وإنما هو أيضًا عالم اللحظات الحاسمة التي قد تغيّر كل شيء في طرفة عين.
