
من بين أكثر الظواهر الإنسانية إثارةً للحيرة تلك الظاهرة التي تجعل الإنسان قادرًا على إنكار ما يقع أمام عينيه، والتشكيك فيما تؤيده الأدلة والبراهين، ورفض ما تؤكده الشهادات المتواترة، حتى وإن بلغت من القوة والوضوح حدًا يكفي، في الظاهر، لإقناع أي عقل منصف. وللوهلة الأولى قد يبدو هذا السلوك مجرد نتيجة للجهل أو نقص المعلومات. غير أن التأمل في التاريخ الإنساني يقود إلى نتيجة مختلفة تمامًا. فالإنكار ليس حكرًا على الجاهلين، كما أنه ليس مقصورًا على طبقة اجتماعية بعينها أو ثقافة محددة أو عصر معين. فهو ظاهرة إنسانية عامة تكاد ترافق الإنسان أينما وجد. فقد أنكر الناس عبر التاريخ أفكارًا أصبحت اليوم من المسلمات، وأنكروا اكتشافات علمية قبل أن تتحول إلى حقائق مقررة، وأنكروا دعوات مصلحين دينيين واجتماعيين قبل أن يعترف اللاحقون بقيمتها. ومن يتأمل سيرة سقراط يجد مدينة بأكملها تعجز عن رؤية ما سيعتبره التاريخ لاحقًا أحد أعظم العقول الفلسفية. ومن يتأمل مصير كثير من الأنبياء والمصلحين يجد أن الرسالة التي بدت لكثير من معاصريهم ضربًا من الوهم أصبحت بعد قرون أساسًا لحضارات كاملة. ولم يكن العلماء بمنأى عن هذه الظاهرة. فقد واجهت التصورات الفلكية الجديدة مقاومة شديدة، وتعرض أصحابها للتشكيك والسخرية والاضطهاد. ولم يكن سبب ذلك دائمًا ضعف الأدلة، بل كان في كثير من الأحيان قوة التصورات القديمة الراسخة في الأذهان. فحين تصبح فكرة ما جزءًا من صورة الإنسان عن العالم، يغدو التخلي عنها أشبه بالتخلي عن جزء من ذاته. والمفارقة هنا أن التقدم العلمي نفسه لم ينه هذه الظاهرة. فما زالت البشرية إلى يومنا هذا منقسمة حول قضايا عديدة تتوافر بشأنها كميات هائلة من البيانات والأبحاث والدراسات، ويكفي النظر إلى الجدل المستمر حول التغير المناخي والاحتباس الحراري أو حول طبيعة التأثير البشري في البيئة وعصر الأنثروبوسين لندرك أن الأدلة وحدها لا تكفي دائمًا لإقناع الناس.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي: لماذا يميل الإنسان إلى الإنكار؟ إن التفسير الشائع يفترض أن الإنسان يبحث عن الحقيقة ثم يقبلها متى ظهرت له، غير أن التجربة الإنسانية توحي بأن الأمر أكثر تعقيدًا من ذلك. فالإنسان لا يعيش داخل الواقع مباشرة، بل داخل تمثّل للواقع. فهو لا يتعامل مع العالم كما هو، بل كما يتصوره. ومن هنا تنشأ المشكلة؛ فكل إنسان يبني عبر سنوات حياته شبكة معقدة من المعتقدات والقيم والتصورات والذكريات والانتماءات، وهذه الشبكة لا تؤدي وظيفة معرفية فحسب، بل تؤدي أيضًا وظيفة نفسية ووجودية. فهي تمنحه الشعور بالاستقرار والهوية والانتماء والمعنى. ولهذا فإن بعض الحقائق لا تُواجَه بوصفها معلومات جديدة، بل بوصفها تمثل “تهديدًا وجوديًا”. وحينئذٍ لا يصبح السؤال: هل الدليل قوي أم ضعيف؟ بل يصبح: ماذا سيحدث لي إن كان هذا الدليل صحيحًا؟
وهنا يبدأ الإنكار؛ فالإنسان قد ينكر الحقيقة ليس لأنه لا يراها، بل لأنه يرى ما يترتب عليها. وقد يرفض الدليل ليس بسبب عجزه عن فهمه، بل بسبب عجزه عن تحمل نتائجه. ولهذا نجد أن أشد أشكال الإنكار تظهر غالبًا في القضايا التي تمس الهوية والعقيدة والانتماء والصورة التي كوّنها الإنسان عن نفسه وعن العالم.
ومن اللافت أن هذه الآلية لا تقتصر على عامة الناس. فالعالِم قد يقع فيها كما يقع غيره، وقد يقع فيها الفيلسوف كما يقع التاجر، والمتدين قد يقع فيها كما يقع الملحد، والمحافظ قد يقع فيها كما يقع الثوري. فالإنكار لا يرتبط بمقدار الذكاء بقدر ما يرتبط بمقدار التهديد الذي تمثله الحقيقة للمنظومة الذهنية القائمة.
ولعل هذا ما يجعل تاريخ المعرفة البشرية يبدو في كثير من الأحيان تاريخًا لصراع طويل بين الحقيقة والإنسان نفسه. فالعقبة الكبرى أمام الحقيقة لم تكن دائمًا نقص الأدلة، بل مقاومة العقل البشري لما تكشفه الأدلة. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى الإنكار بوصفه أحد أكثر تجليات “فائض التمثّل” إثارةً للاهتمام، فكلما ازدادت قدرة الإنسان على بناء العوالم الرمزية والتصورات الذهنية، ازدادت قدرته على الاحتماء داخلها. فالتمثّل الذي منح الإنسان القدرة على تجاوز الواقع أصبح في الوقت نفسه قادرًا على حجبه عن الواقع.
وهكذا نجد أنفسنا أمام مفارقة عجيبة: فالكائن الذي يمتلك أعظم قدرة على معرفة الحقيقة هو نفسه الذي يمتلك أعظم قدرة على الهروب منها، وربما لهذا السبب ظل تاريخ الإنسان، منذ فجر الحضارة وحتى يومنا هذا، لا يقدم لنا صورة كائن يسير بثبات نحو الحقيقة، بقدر ما يقدم لنا صورة كائن يقاومها طويلًا، ثم لا يلبث أن يعترف بها بعد أن يصبح إنكارها مستحيلًا.
إن المشكلة الكبرى لا تكمن في كون الحقيقة غامضة، بل في أن الإنسان كثيرًا ما يكون مستعدًا للدفاع عن أوهامه أكثر مما هو مستعد للدفاع عن الحقيقة نفسها، ولعل هذا هو أحد أكثر الدروس ثباتًا في التاريخ البشري كله.
