الإنسان كما يصفه القرآن… الكائن الذي صنعه فائض التمثّل

من بين أكثر النتائج إثارة للتأمل التي انتهت إليها هذه السلسلة من المقالات تلك النتيجة التي تقول إن الإنسان، بالصورة التي نعرفه عليها اليوم، ليس مجرد كائن أكثر ذكاءً من غيره من الكائنات البايولوجية فحسب، بل هو كائن نشأ عن انعطافة وجودية عميقة أدخلته في عالم جديد يمكن تسميته بعالم “فائض التمثّل”. فمنذ تلك اللحظة لم يعد الإنسان يعيش الواقع كما هو، بل أصبح يعيش داخل شبكة متراكبة من الصور الذهنية والتصورات والتوقعات والذكريات والهواجس والرموز والتأويلات. وقد رأينا خلال المقالات السابقة أن جانبًا كبيرًا مما يميز الإنسان عن سائر الكائنات الحية يمكن فهمه بوصفه نتائج مباشرة لهذا الفائض. فالحسد لا ينشأ من الواقع نفسه، بل من تمثّل الإنسان لما عند غيره ومقارنته بما عنده هو. والغيرة لا تنشأ من الشيء الخارجي بقدر ما تنشأ من المعاني التي يبنيها الإنسان حوله. والحقد ليس حدثًا بيولوجيًا مباشرًا، بل هو استمرار تمثّلي لحدث مضى وانتهى في الواقع لكنه يستمر حيًا داخل النفس. والكراهية كثيرًا ما تكون كراهية لصورة ذهنية أكثر منها كراهية لواقع فعلي. وكذلك سوء الظن، والإنكار، والتعصب، والرياء، والخوف من المستقبل، والندم على الماضي، والقلق الوجودي، والتعلق بالأوهام، والصراع حول الأفكار والرموز والعقائد والهويات.
فالحيوان يعيش في عالم الوقائع، أما الإنسان فيعيش في عالم الوقائع مضافًا إليه عالم كامل من التمثّلات. ولذلك أصبح هو الكائن الوحيد القادر على أن يعاني بسبب أشياء لم تقع بعد، أو بسبب أشياء وقعت منذ زمن بعيد، أو بسبب أشياء لم تقع أصلًا ولن تقع أبدًا. ومن هنا يمكن النظر إلى الإنسان بوصفه الكائن الذي انفصل جزئيًا عن الاقتصاد الطبيعي للحياة. فبينما تخضع الكائنات الأخرى بدرجات عالية لمنطق البقاء والتناسل والتكيف، أصبح الإنسان يعيش جزءًا كبيرًا من حياته داخل عوالم رمزية لا ترتبط بالبقاء البيولوجي إلا بصورة غير مباشرة. ولهذا أصبح قادرًا على التضحية بحياته من أجل فكرة، أو خوض حرب بسبب عقيدة، أو قتل أخيه بسبب شعور بالحسد، أو إهلاك نفسه بسبب وهم أو خوف أو طموح أو رغبة في الهيمنة.
وإذا انتقلنا من هذه النتيجة إلى القرآن الكريم فإننا نجد أنفسنا أمام ظاهرة مدهشة تستحق التوقف عندها طويلًا.
فالقرآن، على الرغم من نزوله في زمان محدد ومكان محدد وبين قوم محددين، فإنه لا يتعامل مع الإنسان بوصفه ظاهرة محلية أو ظاهرة تاريخية خاصة ببيئة معينة. فهو لا يجعل عيوب الإنسان أو انحرافاته أو تناقضاته خصائص مرتبطة بعِرق بعينه أو أمة بعينها أو طبقة اجتماعية معينة أو عقيدة مخصوصة، بل أنه يتحدث عن الإنسان بوصفه ظاهرة عالمية عامة تتجاوز الحدود الجغرافية والقومية والثقافية والدينية.
فالإنسان في القرآن هو ذلك الكائن الذي قد يظلم، ويجهل، ويطغى، ويجادل، ويكفر بالنعم، ويستعجل، ويجزع، ويقنط، ويخاصم، ويكابر، وينكر، ويؤثِر العاجلة على الآجلة. وهذه الأوصاف لا تُسند إلى شعب بعينه ولا إلى جيل بعينه، بل تُقدَّم باعتبارها خصائص كامنة في البنية الإنسانية ذاتها.
ولعل هذا ما يجعل الخطاب القرآني فريدًا في كثير من جوانبه. فهو لا يقدم نقدًا اجتماعيًا أو سياسيًا أو ثقافيًا لجماعة محددة، بل يقدم تشريحًا عميقًا للنفس البشرية ذاتها. وكأن القرآن ينظر إلى الإنسان من مستوى أعلى من مستوى الانقسامات البشرية المعتادة، فيرى ما هو ثابت ومشترك بين جميع البشر عبر العصور.
وإذا استحضرنا ما كشفته لنا مقالات فائض التمثّل، فإن هذا الأمر يكتسب دلالة إضافية. فالأوصاف القرآنية للإنسان تبدو وكأنها أوصاف دقيقة للكائن الذي يعيش تحت تأثير “فائض التمثّل”. فالجدال العقيم، والإنكار رغم وضوح الأدلة، والحسد، والكراهية، والتنافس المرضي، وسوء الاختيار، والعجز عن رؤية التناقضات الذاتية، والانشغال بالمخاوف والأوهام هي كلها نتائج طبيعية لكائن أصبح أسيرًا لعالم التمثّلات.
ومن اللافت للنظر أن القرآن يضع هذه الحقيقة أمامنا منذ الصفحات الأولى من التاريخ البشري. فقصة ابنَي آدم ليست مجرد حادثة جنائية وقعت في زمن سحيق، بل هي عرض مبكر للآثار التي ترتبت على دخول الإنسان عالم التمثّل. فالجريمة الأولى لم تكن جريمة جوع أو دفاع عن النفس أو صراع على البقاء، بل كانت جريمة ناشئة عن الحسد والغيرة وسوء الظن والكراهية والشعور بالغبن، وهذه كلها ظواهر لا تنتمي إلى عالم الضرورات البيولوجية المباشرة بقدر ما تنتمي إلى عالم التمثّلات النفسية. ولهذا تبدو قصة ابنَي آدم وكأنها إعلان مبكر عن ولادة نمط جديد من الكائنات؛ كائن يستطيع أن يقتل أخاه بسبب ما يدور في داخله وليس بسبب ما يحدث خارجه. وهنا تبرز المفارقة الكبرى؛ فكلما ازداد اتساع المسافة بين ما تكشفه دراسة الإنسان من جهة، وما يقدمه القرآن من توصيف لطبيعته من جهة أخرى، كان المتوقع أن تتضاءل نقاط الالتقاء بينهما. لكن ما نراه هو العكس تمامًا، فكلما تعمقنا في تتبع نتائج فائض التمثّل ازددنا اقترابًا من الصورة التي يرسمها القرآن للإنسان.
وهذا يقودنا لامحالة إلى سؤال يصعب تجاهله: ما سر هذا التطابق؟ فإذا كان فائض التمثّل يمثل فعلًا تلك الانعطافة التطورية الكبرى التي نقلت الإنسان من عالم إلى عالم، وإذا كانت النتائج المترتبة عليه تتطابق إلى هذا الحد مع الصورة القرآنية للإنسان، أفلا يستحق الأمر أن نتساءل عمّا إذا كان ثمة رابط أعمق يجمع بين الأمرين؟ إن السؤال لا يتعلق هنا بإثبات جواب معين بقدر ما يتعلق بفتح أفق جديد للتفكير. فإذا كان الإنسان قد أمضى ملايين السنين مندمجًا نسبيًا في نظام الطبيعة، ثم ظهر فجأة بوصفه ذلك الكائن القلق والمتناقض والممزق بين ما هو كائن وما يتخيله، فإن من المشروع أن نسأل: ما الذي أطلق شرارة هذا التحول؟ وما الذي جعل كائنًا تشكل عبر تاريخ طويل من التكيف الطبيعي يصبح فجأة الكائن الوحيد القادر على الحسد والكراهية والإنكار والقلق الوجودي والتمرد على مقتضيات وجوده؟
إن افتراض أن هذا التحول الهائل وقع بلا سبب نوعي يوازي حجمه لا يقل إشكالًا عن الظاهرة نفسها. ولذلك ربما كان من الضروري إعادة النظر في تلك اللحظة المؤسسة التي بدأت معها قصة الإنسان، لا بوصفها حادثة أخلاقية فحسب، بل بوصفها أيضًا منعطفًا وجوديًا ومعرفيًا وتطوريًا غيّر طبيعة الكائن البشري تغييرًا جذريًا. وعند هذه النقطة بالذات يلتقي السؤال العلمي بالسؤال الفلسفي، ويلتقي السؤال الفلسفي بالسؤال الديني، ليعود الجميع إلى التساؤل ذاته: ما الذي حدث للإنسان حتى أصبح “الإنسان”؟

أضف تعليق