فلسفة السقوط الأول… كيف خرج الإنسان من البراءة الحيوية؟

من بين جميع المفاهيم التي شكلت الوعي الديني والإنساني عبر التاريخ، ربما لا يوجد مفهوم أكثر حضورًا وأشد غموضًا من مفهوم “السقوط”. فمع اختلاف الأديان والثقافات والأساطير، تتكرر بصورة لافتة فكرة وجود حالة أولى من الانسجام أو البراءة أو الكمال، أعقبها انتقال إلى حالة أخرى اتسمت بالمشقة والاغتراب والمعاناة والموت. وقد جرى التعامل مع هذا الانتقال، في كثير من الأحيان، بوصفه حدثًا أخلاقيًا بالدرجة الأولى؛ أي بوصفه نتيجة لعصيان أو خطأ أو مخالفة أدت إلى فقدان الحالة الأولى. غير أن هذا التفسير، على أهميته الدينية، قد لا يكون كافيًا لفهم العمق الأنثروبولوجي والفلسفي الكامن وراء فكرة السقوط نفسها. فالسؤال الذي يستحق التأمل هو ليس (لماذا سقط الإنسان؟) فحسب، بل (ما هي طبيعة هذا السقوط أصلًا؟) فهل هو سقوط أخلاقي فحسب؟ أم أنه يمثل تحولًا أعمق بكثير في طبيعة الوجود الإنساني؟
إن التأمل في أحوال الإنسان يقود إلى ملاحظة لافتة، فالمشكلة الأساسية التي يعاني منها الإنسان لا تبدو أخلاقية فحسب، بل وجودية أيضًا. فالإنسان لا يعاني لأنه يرتكب الأخطاء فقط، بل لأنه أصبح واعيًا بها. ولا يتألم بسبب الموت وحده، بل بسبب معرفته المسبقة بأنه سيموت. ولا يشقى بسبب الواقع فقط، بل بسبب تمثّلاته عن الواقع. ومن هنا يمكن النظر إلى السقوط الأول بوصفه لحظة انتقال من نمط وجود إلى نمط وجود آخر؛ أي انتقال من البراءة الحيوية إلى الوعي التمثّلي. فالبراءة الحيوية لا تعني الكمال الأخلاقي، بل تعني حالة الاندماج الطبيعي داخل العالم. والحالة التي يعيش فيها الكائن دون أن يكون منشغلًا بنفسه بوصفها موضوعًا للتفكير والحكم والتقييم. وهذه هي الحالة التي نراها في عالم الحيوان، فالحيوان لا يشعر بالخجل من وجوده ولا يعاني من أزمة هوية ولا يعيش حالة انقسام بين ما هو عليه وما يتمنى أن يكونه ولا يطارد صورة مثالية عن ذاته، إنه ببساطة يعيش. أما الإنسان فقد أصبح الكائن الذي لا يكتفي بالعيش، بل يفكر في عيشه. ولا يكتفي بالفعل، بل يحاكم أفعاله. ولا يكتفي بالوجود، بل يسأل عن معنى وجوده. وهنا تبدأ القطيعة الكبرى. فالإنسان لم يخرج من الجنة، وفقاُ للمعنى الديني التقليدي، فحسب، بل خرج أيضًا من حالة الانسجام الحيوي التي لا تزال بقية الكائنات الحية تعيش داخلها. فلقد أصبح كائنًا منفصلًا عن ذاته بقدر ما هو منفصل عن الطبيعة.
ومن اللافت أن أول ما تصفه السردية القرآنية بعد الأكل من الشجرة هو ليس اكتساب قوة جديدة أو مهارة جديدة، بل اكتشاف العري. وهذه تفصيلة تبدو بسيطة للوهلة الأولى، لكنها من أعمق التفاصيل في القصة كلها. فالإنسان فوجئ بعريه الناجم عن السقوط المفاجئ للشعر الذي كان يغطي جسمه. ومن هذه اللحظة تبدأ جميع المشكلات اللاحقة تقريبًا. فالشعور بالعار، والحاجة إلى التستر، والمقارنة، والمنافسة، والحسد، والغيرة، والقلق، والطموح، والإحساس بالنقص، كلها تنتمي إلى العالم نفسه: عالم الوعي التمثّلي. ومن هنا يمكن فهم السقوط الأول بوصفه لحظة ميلاد الإنسان كما نعرفه اليوم، وليس الإنسان البيولوجي. بل الإنسان النفسي والرمزي والوجودي. فالإنسان قبل السقوط، وفق هذا التصور، لم يكن أقل ذكاءً بالضرورة، بل كان أقل انقسامًا على نفسه. وأقل انشغالًا بتمثّلاته عن ذاته. وأقل اغترابًا عن واقعه. أما بعد السقوط فلقد أصبح يعيش بين عالمين: عالم الواقع وعالم الصور الذهنية عن الواقع. ومنذ تلك اللحظة لم يعد الانسان قادرًا على العودة الكاملة إلى بساطة الكائنات الأخرى.
ولعلّ هذا هو ما يفسر ظاهرة فريدة تكاد تكون عالمية في التجربة الإنسانية: الحنين إلى حالة مفقودة. فالبشر في مختلف الحضارات يتحدثون عن عصر ذهبي، أو فردوس ضائع، أو زمن أنقى وأصفى من الحاضر، بل إن كثيرًا من الأديان والفلسفات والاتجاهات الروحية يمكن قراءتها بوصفها محاولات لاستعادة شيء من ذلك الانسجام المفقود. وكأن الإنسان يحمل في أعماقه ذكرى بعيدة لحالة لم يعد قادرًا على بلوغها، وقد تكون هذه الذكرى، في جوهرها، ذكرى ما قبل الانفجار التمثّلي العظيم، أي ذكرى ما قبل أن يصبح الوعي عبئًا.
ومن هنا تكتسب مفاهيم الخلاص والهداية والتوبة والسكينة أهمية خاصة. فهي لا تبدو مجرد حلول لمشكلة أخلاقية، بل محاولات لمعالجة جرح وجودي أعمق؛ وهو جرح نشأ حين أصبح الإنسان يرى نفسه بصورة مستمرة، ويفكر في نفسه بشكل متواصل، ويحاكم نفسه على الدوام. إنه الجرح الذي أحدثه فائض التمثّل.
ولعلّ هذا ما يجعل الإنسان الكائن الوحيد القادر على تحويل وعيه إلى مصدر للألم. فالحيوان يعاني حين يواجه خطرًا أو ألمًا فعليًا، أما الإنسان فيستطيع أن يعاني بسبب ذكرى، أو بسبب احتمال، أو بسبب فكرة، أو بسبب صورة ذهنية عن ذاته. وهذا ما يجعل السقوط الأول حدثًا مستمرًا لا مجرد حادثة وقعت في الماضي. فهو يتكرر كل يوم داخل كل إنسا،. ويتكرر كلما غرق في المقارنة وكلما استنزفته التوقعات وكلما ابتعد عن الواقع لصالح التمثّلات وكلما أصبح أسيرًا للصورة أكثر من الحقيقة. ومن هنا فإن السقوط لا يبدو مجرد انتقال من مكان إلى مكان، أو من حالة أخلاقية إلى أخرى، بل هو انتقال من اقتصاد الطبيعة إلى اقتصاد التمثّل. أي من الوجود المباشر إلى الوجود المؤوَّل. ومن الحياة البسيطة إلى الحياة المحمّلة بالمعاني والرموز والهواجس. وهكذا يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا أخطأ آدم؟ بل: ماذا حدث للإنسان بعد أن أصبح واعيًا بنفسه إلى هذا الحد؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال قد تكشف أن جوهر المأساة الإنسانية لا يكمن في فقدان مكانٍ اسمه الجنة فحسب، بل في فقدان حالة وجودية كاملة من الانسجام الحيوي، لم يعد الإنسان قادرًا على استعادتها، بينما لا تزال بقية الكائنات تعيش داخلها حتى اليوم.

أضف تعليق