حين انقلبت البيولوجيا على نفسها… فائض التمثّل ومأزق التكيف التطوري

من بين أكثر المسلمات رسوخًا في التفكير التطوري الحديث تلك الفكرة التي تفترض أن كل صفة تستمر عبر الزمن لا بد أن تكون قد منحت حاملها ميزة تكيفية ما. فالحياة، وفق هذا التصور، أشبه بعملية فرز مستمرة تُبقي على ما ينفع وتستبعد ما يضر. ولذلك اعتاد كثير من الباحثين النظر إلى جميع الخصائص الإنسانية الكبرى بوصفها نجاحات تطورية ساهمت في تعزيز فرص البقاء والتكاثر لنوع الإنساني. غير أن التأمل في أحوال الإنسان يقود إلى مفارقة يصعب تجاهلها. فإذا كان الإنسان هو أكثر الكائنات نجاحًا من الناحية الإدراكية، فلماذا يبدو أيضًا أكثرها معاناة؟ ولماذا أصبح الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يتحول عقله نفسه إلى مصدر دائم لآلامه؟ إن الحيوان يخاف الخطر حين يكون حاضرًا، ثم يعود إلى حالة التوازن بعد زواله. أما الإنسان فقد أصبح قادرًا على أن يعيش الخطر آلاف المرات قبل وقوعه، وأن يستعيده آلاف المرات بعد انتهائه. والحيوان يبحث عن الغذاء حين يجوع، أما الإنسان فقد يقضي عمره كله في مطاردة رغبات لا تشبع أبدًا. والحيوان يهرب من الموت، أما الإنسان فيعيش جزءًا كبيرًا من حياته وهو يفكر فيه. إن هذه الحقيقة تطرح سؤالًا بالغ الأهمية: هل كان فائض التمثّل ميزة تكيفية خالصة فعلًا؟ أم أننا أمام ظاهرة أكثر تعقيدًا؟
لقد اقترحت هذه السلسلة من المقالات أن الانعطافة التطورية الأولى قد أطلقت ما بالإمكان تسميته ب “فائض التمثّل”؛ أي القدرة غير المحدودة تقريبًا على إنتاج الصور الذهنية والرموز والاحتمالات وإعادة إنتاجها. وقد رأينا كيف أدى ذلك إلى ظهور الاسطورة والفن والعلم واللغة والوعي الذاتي والحضارة بأكملها. لكن كل مكسب تطوري يحمل معه كلفة معينة.
والسؤال هنا هو: ما الكلفة التي ترتبت على هذا المكسب الاستثنائي؟ إن الإجابة تبدأ من ملاحظة بسيطة. فالكائنات الحية الأخرى تستخدم الإدراك لخدمة الحياة، أما الإنسان فقد أصبح يستخدم الحياة لخدمة إدراكه.
لقد انقلبت العلاقة بين الوسيلة والغاية. فالعقل الذي تطور أصلًا من أجل تعزيز فرص البقاء أصبح يستهلك جزءًا هائلًا من طاقته في إنتاج عوالم لا تنتهي من التمثلات التي لا ترتبط بالبقاء المباشر إلا بصورة غير مباشرة. ومن هنا بدأ المأزق الوجودي للإنسان. فالإنسان لا يعيش داخل البيئة الطبيعية فحسب، بل داخل بيئة تمثلية صنعها بنفسه. وهذه البيئة الجديدة لا تخضع بالكامل للقوانين التي صُممت أجهزته البيولوجية للتعامل معها. فالدماغ الذي تطور لمواجهة أخطار محدودة ومباشرة وجد نفسه مضطرًا للتعامل مع عدد لا نهائي من الأخطار المتخيلة، والجهاز الانفعالي الذي نشأ للتعامل مع مواقف آنية وجد نفسه يعمل باستمرار تحت ضغط المستقبل والماضي والاحتمالات. لقد أصبحت البيولوجيا تعمل في بيئة لم تُصمم أصلًا للعمل فيها.
ومن هنا يمكن فهم كثير من الظواهر التي تبدو غامضة عند النظر إليها من منظور تكيفي بسيط. فالقلق المزمن، على سبيل المثال، هو ليس خللًا عارضًا بقدر ما هو نتيجة طبيعية لعقل قادر على تمثل عدد لا نهائي من السيناريوهات المستقبلية. والحسد ليس مجرد رذيلة أخلاقية، بل نتيجة لقدرة الإنسان على مقارنة تمثلاته عن نفسه بتمثلاته عن الآخرين. والشعور بالنقص لا ينبع من الواقع غالبًا، بل من الفجوة بين الواقع والتمثلات. بل إن كثيرًا من أشكال المعاناة الإنسانية لا تأتي من الأحداث ذاتها، وإنما من الطريقة التي يعيد بها العقل تمثل تلك الأحداث. وهنا تبرز مفارقة عجيبة، فالميزة التي صنعت الحضارة هي نفسها التي صنعت المعاناة الحضارية. ففائض التمثّل هو الذي جعل الإنسان يكتب أعظم القصائد، وهو نفسه الذي جعله يغرق في الندم والقلق واليأس. وهو الذي أطلق الفلسفة، وهو أيضاً الذي أطلق الأيديولوجيات القاتلة. وهو الذي جعل الإنسان يحلم بالجنة، وهو الذي جعله يخترع جحيمه النفسي الخاص. ولهذا يمكن القول إن الانعطافة التطورية الأولى لم تكن مجرد نجاح بيولوجي، بل كانت أيضًا بداية مأزق جديد.
فالحيوان يعيش داخل حدود بيولوجيته فحسب. أما الإنسان فقد أصبح الكائن الذي تجاوز تلك الحدود دون أن يمتلك بعد الوسائل الكافية لإدارة نتائج هذا التجاوز. فالإنسان قد خرج من الطبيعة، لكنه لم يصل بعد إلى البديل. ومن هنا نشأ ذلك التوتر الدائم الذي يميز الوجود الإنساني. فالإنسان ليس مندمجًا بالطبيعة كما الحيوان، وليس متحررًا منها بالكامل؛ إذ أنه يقف في منطقة وسطى بين عالمين، عالم الغرائز البيولوجية الذي خرج منه، وعالم التمثلات اللامحدود الذي دخل إليه.
ولعل هذا هو ما يفسر لماذا تبدو الحضارة نفسها أحيانًا كأنها محاولة مستمرة للتعامل مع نتائج الانعطافة التطورية الأولى. فالأساطير والقوانين والأخلاق والفلسفات وأنظمة التربية والعلاج النفسي يمكن النظر إليها جميعًا بوصفها محاولات مختلفة لإدارة فائض التمثّل والحد من آثاره الجانبية “الكارثية”؛ فهي ليست حلولًا لمشكلة خارجية، بل محاولات لتنظيم القوة التي أطلقها الإنسان داخل نفسه. ومن هنا يكتسب تاريخ الإنسان معنى جديدًا. فبدل أن يكون مجرد قصة نجاح متواصل، يصبح قصة كائن يحاول منذ آلاف السنين التكيف مع نتيجة التحول الذي صنعه باختياره يوم أكل من الشجرة جهلاً وظلماً. فالإنسان هو كائن حصل على قدرة هائلة لم يكن مستعدًا بالكامل لتحمل تبعاتها. وهذا لا يعني أن الانعطافة التطورية الأولى كانت خطأ، لكنه يعني أنها كانت حدثًا أعقد من أن يُختزل في مفردات النجاح والفشل. فلقد كانت لحظة فتحت أمام الإنسان إمكانات لم تعرفها الحياة البايولوجية من قبل، لكنها في الوقت نفسه حملت معه أعباء لم تعرفها هذه الحياة من قبل أيضًا. ومنذ ذلك اليوم لم يعد السؤال الأساسي هو كيف ينجو الإنسان من الطبيعة، بل كيف ينجو الإنسان من فائض التمثّل الذي أطلقته “طبيعته الجديدة”. وربما كان تاريخ الحضارة كله، في جانب منه، ليس سوى محاولة طويلة للإجابة عن هذا السؤال.

أضف تعليق