
إذا كان أول أثر ظاهر للأكل من الشجرة قد تمثل في انكشاف السوءات وفقدان الإنسان لكسائه الطبيعي، وإذا كان الأثر الثاني قد تجلى في انطلاق العداوة البشرية خارج الحدود التي تضبط العدوان في عالم الحيوان، فإن النص القرآني يلفت الانتباه إلى أثر ثالث لا يقل عمقًا وخطورة عن سابقيه، بل ربما كان الأصل الذي تتفرع عنه معظم المعضلات الإنسانية اللاحقة.
يقول الله تعالى: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (38-39 البقرة). واللافت في هاتين الآيتين الكريمتين أن أول ما يواجه الإنسان بعد الهبوط ليس الطعام ولا المرض ولا المشقة ولا الموت، وإنما الحاجة إلى “الهدى”. وكأن النص يريد أن يلفت انتباهنا إلى أن شيئًا جوهريًا قد أصاب القدرة الإنسانية على معرفة الطريق الصحيح بعد الأكل من الشجرة. ففي عالم الكائنات الحية الأخرى تبدو الأمور مختلفة تمامًا. فالحيوان، على الرغم من افتقاره إلى العقل البشري، يمتلك قدرة مدهشة على الاهتداء إلى ما يحفظ وجوده ويحقق مصلحته البيولوجية، فهو يعرف ما يأكل وما يتجنب، ويعرف مواسمه، وطرائق تناسله، ومسارات هجرته، ويستجيب بصورة شبه تلقائية لما تمليه عليه بنيته الغريزية. ولذلك نادرًا ما نجد الحيوان يدخل في صراعات فكرية حول كيفية العيش أو الغاية من وجوده أو الطريق الذي ينبغي أن يسلكه. أما الإنسان فقد أصبح، منذ تلك اللحظة المفصلية، الكائن البايولوجي الوحيد الذي ضاعت منه البوصلة. فلقد أصبح قادرًا على أن يسير في الاتجاه الذي يدمره وهو يظن أنه ينقذ نفسه. وأصبح قادرًا على أن يحارب من أجل أوهام يتخيل أنها حقائق. وأصبح قادرًا على أن يضحي بحياته وحياة غيره دفاعًا عن تصورات قد يتبين لاحقًا أنها كانت مجرد أخطاء أو أوهام أو إسقاطات ذهنية.
ومن هنا يمكن فهم الحاجة المستمرة إلى الهدى الإلهي في القرآن الكريم. فالهدى لا يُقدَّم فيه بوصفه معلومة إضافية يحتاجها الإنسان فحسب، بل بوصفه علاجًا لنقص أصاب بنيته الوجودية نفسها. ولعل ما تم عرضه في المقالات السابقة حول “فائض التمثّل” يساعد على فهم هذا الأمر بصورة أعمق. فالإنسان لم يعد يعيش الواقع مباشرة كما تفعل بقية الكائنات الحية، بل أصبح يعيش داخل عالم متراكم من الصور الذهنية والتوقعات والتأويلات والمخاوف والآمال والرموز والذكريات. ومن هنا أصبحت المسافة بين الواقع وتمثله الذهني قابلة للاتساع إلى حد كبير. فلقد أصبح الإنسان قادرًا على أن يرى ما ليس موجودًا، وأن يغفل عما هو موجود بالفعل. وأصبح بمقدوره أن يلبس الباطل ثوب الحق، وأن يخلع عن الحق ملامحه حتى يبدو باطلًا. ولم يعد الخطر الأكبر الذي يواجهه يتمثل في الجهل، بل في الوهم الذي يتخفى في صورة المعرفة.
ولهذا لا يبدو غريبًا أن يكون تاريخ البشرية كله تقريبًا تاريخًا من الحيرة والاختلاف والتنازع حول الحقيقة. فمنذ أقدم الحضارات وحتى يومنا هذا لم تتوقف المدارس الفكرية والفلسفية والدينية والسياسية عن التنازع حول ما هو حق وما هو باطل، وما هو خير وما هو شر، وما هو الطريق الذي ينبغي للإنسان أن يسلكه.
والأكثر إثارة للتأمل أن هذا الإخفاق لم يقتصر على المحاولات البشرية الخالصة للبحث عن الحقيقة، بل امتد حتى إلى التعامل مع الوحي نفسه. فالرسالات التي جاءت أصلًا لهداية الإنسان تحولت، بعد مرور الزمن، إلى مذاهب واتجاهات وطوائف متصارعة، يكفر بعضها بعضًا، ويدعي كل فريق منها أنه وحده الممثل الحقيقي للإرادة الإلهية.
وإذا تأملنا هذه الظاهرة في ضوء فرضية فائض التمثّل أمكننا أن نفهم جانبًا من أسبابها. فالإنسان لا يكتفي عادة بتلقي الهداية كما جاءت، بل يسارع إلى إعادة تمثّلها وتأويلها وإعادة تشكيلها داخل منظومته الذهنية الخاصة. وهنا تبدأ الإضافات والتفسيرات والافتراضات والتأويلات التي تتراكم فوق النص الأصلي حتى قد تحجبه في كثير من الأحيان، ولهذا فإن أحد أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من الآية الكريمة هو أن قيمة الهدى تكمن في كونه صادرًا من الله، لا في كونه مادة خامًا يعيد الإنسان تشكيلها وفق ما يشتهي أو يتخيل أو يظن. فالدواء يؤدي وظيفته العلاجية ما دام محتفظًا بتركيبته الأصلية. أما إذا أضيفت إليه مواد غريبة أو حُذف منه بعض مكوناته الأساسية، فإنه يفقد قدرته على العلاج، وربما تحول إلى سبب للضرر بدلًا من أن يكون وسيلة للشفاء. وكذلك هو الهدى الإلهي. فكلما اقترب الإنسان منه بصيغته التي أُنزل بها كان في ذلك خلاصه من الضلال وتسنى له ان يهتدي الى الحق. وكلما تراكمت عليه إسقاطات العقل البشري المثقل بفائض التمثّل، تراجعت قدرته على إصلاح ما أصاب الإنسان من ضرر نتيجة السقوط الأول.
ومن هنا يبدو أن الأثر الثالث للأكل من الشجرة لم يكن مجرد فقدان معرفة معينة، بل فقدان القدرة الذاتية على الاهتداء المستقل إلى الحق. فلقد أصبح الإنسان كائنًا يحتاج إلى الهداية لأنه لم يعد قادرًا على أن يثق تمامًا ببوصلته الداخلية. وأصبح محتاجًا إلى الوحي لأن جهاز التوجيه الذي كان يربطه مباشرة بالحقيقة لم يعد يعمل بالصورة التي كان يعمل بها قبل السقوط. ولعل هذا هو ما يفسر لماذا بقي القرآن العظيم، منذ فاتحته وحتى آخر آياته، يكرر الطلب نفسه بصيغ مختلفة؛ هذا الطلب المتمثل بوجوب حرص العابد على طلب الاهتداء “الهداية”.
فالمشكلة الإنسانية الكبرى ليست نقص الذكاء، ولا نقص المعرفة، ولا نقص القدرة على التفكير، وإنما ضياع الطريق وسط الضجيج الهائل الذي يصنعه فائض التمثّل داخل العقل البشري. ولهذا كان الهدى هو العلاج، وكان فقدانه هو الخطر الأكبر، وكان اتباعه هو الشرط الذي ربطه القرآن بالنجاة: {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}.
