الإنسان Homo Representans… نحو تصنيف جديد للنوع البشري

منذ أن أطلق علماء التصنيف الحديث على الإنسان اسم Homo sapiens، أي “الإنسان العاقل” أو “الإنسان الحكيم”، ترسخت في الوعي العلمي والثقافي فكرة مفادها أن السمة الجوهرية التي تميز الإنسان عن سائر الكائنات الحية هي العقل أو الحكمة أو الذكاء، وقد بدا هذا التصنيف معقولًا إلى حد بعيد. فالإنسان يمتلك بالفعل قدرات معرفية تفوق ما نعرفه لدى بقية الكائنات البايولوجية، وهو قادر على التعلم والتخطيط والابتكار بدرجات استثنائية. ولذلك لم يكن من المستغرب أن يُنظر إلى الذكاء بوصفه الخاصية المركزية التي تحدد هويته النوعية.
غير أن السؤال الذي يستحق التأمل هو: هل الذكاء وحده هو ما يجعل الإنسان إنسانًا؟ إن التأمل في الظاهرة الإنسانية يقود إلى نتيجة مختلفة بعض الشيء. فما يميز الإنسان ليس أنه يعرف أكثر من غيره فحسب، بل أنه يعيش داخل عالم من التمثلات لا يكاد يعرف له حدًا. فهو لا يتعامل مع الواقع مباشرة، بل مع صور ذهنية عن الواقع. ولا يتفاعل مع الأشياء كما هي فقط، بل كما يتخيلها ويتذكرها ويتوقعها ويُأوّلها. فالإنسان، قبل أي شيء آخر، كائن تمثيلي. ولهذا السبب قد يكون من المشروع التساؤل عما إذا كان مصطلح  Homo sapiens يلتقط بالفعل جوهر الظاهرة الإنسانية.
فالحكمة ليست دائمًا هي ما يميز الإنسان، بل أن جزءًا كبيرًا من التاريخ البشري يكشف العكس. والعقلانية ليست سمة ثابتة في سلوكه. والذكاء نفسه لا يفسر وحده معظم الظواهر الإنسانية الكبرى.
فالذكاء لا يفسر الدين، ولا يفسر الفن، ولا يفسر الأساطير، ولا يفسر القومية، ولا يفسر الإيديولوجيات، ولا يفسر الحب والكراهية والغيرة والحسد والندم والطموح والقلق الوجودي. أما إذا نظرنا إلى الإنسان بوصفه كائنًا تمثليًا، فإن هذه الظواهر كلها تبدأ في الانتظام داخل إطار تفسيري واحد.
فالإنسان يحسد لأنه يقارن بين تمثلات. ويغار لأنه يبني تمثلات. ويحب لأنه يعيش داخل تمثلات. ويؤمن لأنه يمتلك القدرة على تمثل ما لا يراه. ويبدع لأنه يعيد تشكيل تمثلاته للعالم. ويخوض الحروب لأنه يتمسك بتمثلات جماعية حول الهوية والتاريخ والمعنى. إن التمثّل لا يظهر هنا بوصفه خاصية من خصائص الإنسان، بل بوصفه البنية العميقة التي تنتظم حولها جميع خصائصه الأخرى. ومن هنا تبرز فكرة Homo Representans.، أي الإنسان بوصفه “الكائن المُتمثِّل”؛ أي الكائن الذي لا يكتفي بإدراك الواقع، بل يعيد إنتاجه داخل ذهنه بصورة مستمرة، وهو الكائن الذي يعيش في عالمين في الوقت نفسه: عالم الأشياء، وعالم التمثلات.
ولعل هذا الوصف يقترب من جوهر الظاهرة الإنسانية أكثر من أي وصف آخر، فحين ننظر إلى التاريخ البشري من هذه الزاوية، فإن صورة الإنسان تتغير كلها. فالحضارة لا تعود مجرد تراكم مادي أو تقني، بل تصبح تراكمًا تمثليًا. واللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل أداة لبناء التمثلات ونقلها. والعلم ليس مجرد اكتشاف للواقع، بل عملية مستمرة لبناء نماذج تمثلية أكثر دقة عنه. بل أن الهوية الشخصية نفسها ليست شيئًا ثابتًا داخل الإنسان، وإنما قصة تمثلية يرويها لنفسه باستمرار. فالإنسان يعيش داخل السرديات التي ينتجها، ولهذا السبب يستطيع أن يضحي بحياته من أجل فكرة، وأن يقتل من أجل رمز، وأن يبني حضارة كاملة حول تصور معين للوجود.
أما في عالم الحيوان فلا يوجد ما يقارب هذه القدرة؛ فالحيوان يدرك، أما الإنسان فيتمثل. والفرق بين الأمرين هو الفرق بين الطبيعة والحضارة. وقد اقترحت هذه السلسلة من المقالات أن هذه القدرة لم تكن حاضرة دائمًا بالصورة التي نعرفها اليوم، بل ظهرت نتيجة الانعطافة التطورية الأولى التي أطلقت فائض التمثّل. ومنذ تلك اللحظة لم يعد الإنسان مجرد كائن بيولوجي متطور، بل أصبح كائنًا تمثليًا. وهذا ما يفسر كثيرًا من المفارقات التي تحيط به؛ إذ أنه الكائن الأكثر قدرة على الإبداع لأنه الأكثر قدرة على التمثل. وهو الكائن الأكثر قدرة على المعاناة للسبب نفسه. وهو الكائن الأكثر إنتاجًا للمعرفة لأنه يمتلك قدرة استثنائية على بناء النماذج الذهنية. وهو أيضًا الكائن الأكثر عرضة للأوهام لأنه يمتلك القدرة نفسها. فأجمل ما في الإنسان وأخطر ما فيه يصدران من المصدر ذاته.
ولهذا فإن إعادة تعريف الإنسان بوصفه Homo Representans ليست مجرد لعبة لغوية أو اقتراح تصنيفي جديد، بل هي محاولة لإعادة بناء فهمنا للإنسان انطلاقًا من الخاصية التي تبدو، في ضوء هذه السلسلة، الأكثر مركزية وتأثيرًا في تشكيل مصيره؛ إذ أنها محاولة للقول إن الإنسان لم يصبح إنسانًا لأنه صار أكثر ذكاءً فحسب، بل لأنه أصبح الكائن الذي يعيش داخل تمثلاته. والكائن الذي يبني عوالم من المعاني والرموز ثم يسكنها. والكائن الذي لا يرى العالم فحسب، بل يعيد خلقه داخل عقله مرة بعد أخرى. وربما كان هذا هو الوصف الأقرب إلى حقيقة ما صنعته الانعطافة التطورية الأولى.
فبعد الأكل من الشجرة لم يظهر الإنسان العاقل فقط، بل ظهر الإنسان المُتمثِّل. ومنذ ذلك اليوم أصبح تاريخ البشرية كله، في جانب كبير منه، تاريخ التمثلات التي صنعها هذا الكائن ثم عاش داخلها.

أضف تعليق