
إذا كان أول أثر ظاهر للأكل من الشجرة قد تمثل في انكشاف السوءات وفقدان الإنسان لكسائه الطبيعي، فإن النص القرآني يلفت الانتباه مباشرة إلى أثر آخر لا يقل دلالة وخطورة، يتمثل في التحول الذي أصاب العلاقة بين الكائنات التي دخلت في تجربة السقوط. فبعد ذكر الأكل من الشجرة وما ترتب عليه، يأتي الإعلان القرآني الحاسم: {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} (من 36 سورة البقرة). فقد اعتاد كثير من المفسرين النظر إلى هذه الآية بوصفها توصيفًا لحالة من الخصومة العامة التي ستنشأ بين الإنسان والشيطان أو بين البشر بعضهم مع بعض. غير أن التأمل في ضوء ما سبق وأن تم عرضه في مقالات سابقة من فرضية الانعطافة التطورية الأولى يسمح بمقاربة تفسيرية مختلفة. فكما أصاب التغير منظومة الجسم البشري وانعكس فورًا على الغطاء الشعري الطبيعي، فقد يكون أصاب أيضًا منظومات نفسية وسلوكية أعمق، كان من بينها منظومة العدوان نفسه.
فالعدوان ليس ظاهرة إنسانية خالصة. فهو موجود في عالم الحيوان منذ ملايين السنين. غير أن الملاحظة اللافتة هي أن العدوان الحيواني، على الرغم من شدته أحيانًا، يبقى محكومًا بضوابط صارمة فرضتها الطبيعة نفسها. فالحيوان يهاجم ليأكل، أو ليدافع عن نفسه، أو ليحافظ على مجاله الإقليمي، أو لينافس على التزاوج. وما أن يتحقق الهدف حتى يتوقف العدوان، ولذلك فنحن لا نجد في عالم الحيوان ما يشبه القتل الجماعي أو الإبادة المنظمة أو التعذيب المقصود أو التدمير لمجرد التدمير. أما الإنسان فقد أصبح شيئًا مختلفًا تمامًا. فهو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يقتل دون جوع، وأن يدمر دون حاجة، وأن يعذب دون منفعة مباشرة، وأن يشن الحروب على أساس أفكار ورموز وتمثلات لا وجود مادّيًا لها في الخارج. ومن هنا يظهر الفرق الجوهري بين العدوان الحيواني والعدوان الإنساني. فالأول ما يزال أسير الطبيعة، أما الثاني فقد انفلت من حدودها.
ولعل السبب الأعمق لذلك يكمن في ما سبق وأن تم الإشارة إليه في مقالات سابقة بـ “فائض التمثّل”. فحين أصبح الإنسان قادرًا على العيش داخل عالم من الصور الذهنية والتصورات والرموز والاعتقادات، لم يعد عدوانه مرتبطًا بالواقع المباشر وحده، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بما يتخيله عن الواقع. فهو قد يكره إنسانًا لأنه ينتمي إلى جماعة مختلفة، أو لأنه يعتنق عقيدة أخرى، أو لأنه يمثل فكرة يرفضها، أو لأنه يهدد صورة متخيلة عن الذات أو الهوية أو المكانة.
ومن هنا ظهرت أشكال جديدة من العدوان لم تعرفها الطبيعة من قبل. فالانتقام، والحقد، والكراهية العقائدية، والتطهير العرقي، والإبادة الجماعية، والحروب الأيديولوجية، كلها ظواهر يصعب العثور على ما يماثلها في عالم الحيوان. إنها نتاج مباشر لقدرة الإنسان على تحويل التمثلات الذهنية إلى دوافع سلوكية تفوق في قوتها كثيرًا الدوافع الغريزية نفسها. ولهذا السبب يبدو الاعتقاد الشائع بوجود “ضمير إنساني” قادر بذاته على كبح العدوان اعتقادًا يحتاج إلى كثير من المراجعة، فالتاريخ لا يقدم صورة مطمئنة في هذا الشأن؛ إذ يكفي أن تضعف سلطة الدولة أو تنهار المؤسسات أو تشتعل الفتن حتى تبدأ طبقات عميقة من العنف الكامن بالظهور على السطح. وما شهدته البشرية عبر القرون من مذابح وحروب أهلية ومجازر جماعية لا يوحي بأن العدوان الإنساني مقيد بضوابط داخلية راسخة بقدر ما يوحي بأنه مقيد بقوى خارجية تفرض عليه حدودًا لا يستطيع تجاوزها إلا بثمن باهظ. ولذلك فإن المجتمعات البشرية لم تستمر عبر التاريخ اعتمادًا على حسن النيات أو الفضائل المجردة، بل اعتمدت قبل كل شيء على احتكار الدولة لأدوات القوة. فالقانون والمحاكم وأجهزة إنفاذ القانون ليست مجرد تفاصيل إدارية، بل هي في كثير من الأحيان السد الذي يحول دون عودة المجتمع إلى حالة من الصراع المفتوح. ولعل الفلاسفة السياسيين الذين تحدثوا عن “حرب الجميع ضد الجميع” لم يكونوا يبتعدون كثيرًا عن هذه الحقيقة. وما يدعو إلى التأمل أن الإنسان نفسه يرفض غالبًا الاعتراف بهذا الوجه من طبيعته، فهو يفضل أن ينظر إلى الحروب والمذابح بوصفها استثناءات ارتكبها أفراد شاذون أو جماعات منحرفة. غير أن كتب التاريخ تروي قصة مختلفة تمامًا، فالإمبراطوريات الكبرى، والحروب الدينية، والغزوات الاستعمارية، وحملات الإبادة المنظمة، لم تكن أعمال أفراد معزولين، بل شاركت فيها مجتمعات كاملة كانت ترى نفسها متحضرة ومتفوقة أخلاقيًا على ضحاياها.
ويكفي أن نتأمل ما جرى في العالم الجديد بعد وصول الغزاة الأوروبيين إليه. فقد تعرضت شعوب بأكملها للقتل والتشريد والتجويع والتدمير باسم الدين أحيانًا، وباسم الحضارة أحيانًا أخرى، وباسم التفوق العرقي في أحيان ثالثة. ولم يكن ما حدث مجرد صراع على الموارد، بل كان انفجارًا هائلًا لمنظومة عدوان غذتها تصورات ذهنية معقدة حول من يستحق الحياة ومن لا يستحقها.
وهنا يعود فائض التمثّل ليظهر مرة أخرى بوصفه أحد أهم العوامل المحركة لهذا المشهد. فالإنسان لا يكتفي برؤية خصمه خصمًا، بل يعيد تشكيله داخل عقله ليصبح شريرًا مطلقًا، أو كافرًا، أو متوحشًا، أو غير جدير بالرحمة. وعند هذه النقطة يصبح العدوان ليس ممكنًا فحسب، بل واجبًا أخلاقيًا في نظر صاحبه.
ومن هنا يمكن فهم الآية الكريمة بوصفها أكثر من مجرد وصف لعداوة عابرة. إنها إعلان عن دخول الإنسان عالمًا جديدًا أصبحت فيه العداوة جزءًا بنيويًا من وضعه الوجودي؛ عالم لم يعد العدوان فيه مجرد أداة للبقاء، بل أصبح قادرًا على أن يتحول إلى مشروع فكري وثقافي وديني وسياسي متكامل. ولعل المفارقة الكبرى أن الإنسان ما يزال يتباهى بتفوقه الأخلاقي على سائر الكائنات، في الوقت الذي تشير فيه شواهد التاريخ إلى أن أكثر أشكال العدوان تدميرًا لم تصدر إلا عنه وحده. فالحيوان قد يفترس فريسته، لكنه لا يبني معسكرات إبادة. والحيوان قد يدافع عن إقليمه، لكنه لا يخوض حربًا عالمية. والحيوان قد يقتل منافسه، لكنه لا يطور فلسفات كاملة لتبرير القتل.
ومن هنا قد يصبح قوله تعالى: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} واحدًا من أكثر أوصاف الحالة الإنسانية عمقًا وإثارة للتأمل. فهو لا يصف حادثة عابرة في الماضي، بل يصف وضعًا ما زالت البشرية تعيش آثاره إلى يومنا هذا؛ وضعًا جعل الإنسان الكائن الوحيد الذي لا يحتاج إلى سبب طبيعي كي يعادي، بل يكفيه أن يتخيل سببًا، أو يبتكر فكرة، أو يبني تمثّلًا ذهنيًا، حتى تشتعل نار العداوة من جديد.
وإذا كان ثمة خيط رفيع يفصل المجتمعات الحديثة عن الانزلاق إلى الفوضى الشاملة، فقد لا يكون هذا الخيط هو تغير الطبيعة البشرية ذاتها، بل وجود منظومات قانونية ومؤسسات ضابطة ما تزال قادرة على إبقاء ذلك الوجه الكامن من العدوان تحت السيطرة. أما إذا انهارت هذه الضوابط، فإن التاريخ يخبرنا بأن ما يظهر عندئذ ليس إنسانًا جديدًا، بل الإنسان نفسه كما كان دائمًا؛ الإنسان الذي ما زال يحمل في داخله آثار ذلك السقوط الأول.
