الإبستمولوجيا بعد الشجرة… كيف أعاد فائض التمثّل تشكيل المعرفة الإنسانية؟

من بين أكثر المسلمات رسوخًا في تاريخ الفكر الإنساني تلك الفكرة التي تفترض أن المعرفة تمثل نافذة يطل منها الإنسان على الواقع. فمنذ الفلاسفة الأوائل وحتى يومنا هذا ظل السؤال المعرفي يدور، بصورة أو بأخرى، حول العلاقة بين العقل والعالم، وبين الذات والموضوع، وبين ما نعرفه وما هو موجود خارجنا.
غير أن ثمة سؤالًا أسبق من ذلك كله، وربما كان أكثر جذرية منه: ما الذي جعل المعرفة الإنسانية ممكنة أصلًا؟ فحين نتأمل بقية الكائنات الحية نجد أنها تمتلك درجات متفاوتة من الإدراك والتعلم والتكيف. غير أن ما لا نجده فيها هو ذلك العالم المعرفي الهائل الذي أنتجه الإنسان؛ عالم الفلسفة والعلم والرياضيات والأدب والتاريخ والقانون. فالإنسان لا يكتفي بمعرفة العالم، بل يصنع معرفة عن المعرفة نفسها. وهنا تحديدًا تبدأ الإبستمولوجيا.
ولكن كيف وصل الإنسان إلى هذه المرحلة؟ لقد اقترحت هذه السلسلة من المقالات أن الانعطافة التطورية الأولى أطلقت ما تم تسميته بـ “فائض التمثّل”؛ أي ذلك التضخم غير المسبوق في قدرة العقل على إنتاج الصور الذهنية والرموز والمعاني والتجريدات. ومنذ تلك اللحظة لم يعد الإنسان يتعامل مع الواقع مباشرة كما تفعل الكائنات البايولوجية الأخرى، بل أصبح يتعامل مع تمثلاته عن الواقع. وهذه النقطة ذات دلالة بالغة. فالإنسان لا يرى العالم كما هو، بل كما يستطيع أن يتمثله داخل عقله. فما نسميه معرفة هو ليس الواقع نفسه، بل نموذجًا ذهنيًا عن الواقع.
ولعل هذه الحقيقة تبدو اليوم مألوفة في كثير من المدارس الفلسفية الحديثة، لكن ما تضيفه نظرية فائض التمثّل هو إرجاع هذه الخاصية إلى لحظة تأسيسية في تاريخ الإنسان نفسه. فالمعرفة ليست مجرد نشاط عقلي، بل هي نتيجة مباشرة للتحول الإدراكي الذي أعقب الانعطافة التطورية الأولى. فلقد أصبح العقل، لأول مرة، قادرًا على الاحتفاظ بالصور الذهنية، وإعادة تركيبها، ومقارنتها، وفصلها عن موضوعاتها الأصلية، ثم بناء أنظمة كاملة من العلاقات بينها. ومن هنا ولدت التجريدات. فالحيوان قد يعرف شجرة بعينها، أما الإنسان فأصبح قادرًا على تكوين مفهوم “الشجرة” بوصفه فكرة مجردة مستقلة عن أي شجرة معينة. والحيوان قد يتعامل مع موقف خطر، أما الإنسان فأصبح قادرًا على بناء مفهوم “الخطر” نفسه. ومن هذه القدرة ولدت اللغة والفلسفة والرياضيات والعلم.
فالتجريد هو الابن المباشر لفائض التمثّل، لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فحين أصبح الإنسان قادرًا على تمثل العالم، أصبح أيضًا قادرًا على تمثل تمثلاته للعالم؛ أي أنه أصبح قادرًا على التفكير في أفكاره.
وهنا ظهرت المعرفة من الدرجة الثانية. فلم يعد السؤال: ماذا أعرف؟ بل: كيف أعرف؟ وهذا هو السؤال الذي أنجب الإبستمولوجيا. فتاريخ الفكر الإنساني كله يمكن قراءته بوصفه محاولة للإجابة عن هذا السؤال.
فالفلاسفة لم يناقشوا العالم فقط، بل ناقشوا إمكان معرفة العالم. والعلم لم يكتفِ بجمع الوقائع، بل طور مناهج للتحقق من صحة المعرفة. بل أن الشك نفسه لا يمكن أن يظهر إلا لدى كائن يمتلك فائضًا تمثليًا يسمح له بمراجعة تمثلاته الخاصة.
ومن هنا تظهر مفارقة عميقة. فالميزة التي جعلت المعرفة ممكنة هي نفسها التي جعلت الخطأ ممكنًا أيضًا.
فالحيوان قد يخطئ في تقدير موقف معين، لكن الإنسان يستطيع أن يبني منظومات كاملة من الأوهام والخرافات والتصورات الخاطئة.
ولكن لماذا كان بإمكانه ذلك؟ لأن القدرة على إنتاج التمثلات لا تضمن مطابقتها للواقع. فهي تمنح إمكانية المعرفة وإمكانية الوهم في آن واحد، ولهذا السبب لم يكن تاريخ الإنسان تاريخًا للعلم فقط، بل كان أيضًا تاريخًا للأساطير والخرافات والإيديولوجيات. وكلها تنبع من المصدر الإدراكي نفسه. ففائض التمثّل لا ينتج الحقيقة وحدها، بل ينتج أيضًا إمكان الانحراف عنها. ومن هنا يمكن فهم أحد أعظم التحديات المعرفية التي واجهت الإنسان منذ الانعطافة التطورية الأولى. فبعد أن أصبح يعيش داخل عالم من التمثلات، صار عليه أن يجد طريقة للتمييز بين التمثلات الأقرب إلى الواقع والتمثلات الأبعد عنه.
ولعل هذا هو الجوهر الحقيقي للمشروع المعرفي الإنساني. فالعلم، في هذا المنظور، ليس سوى آلية لتصحيح فائض التمثّل. والفلسفة محاولة لفهم حدوده. والدين محاولة لتوجيهه. والمنطق محاولة لتنظيمه.
والتعليم محاولة لنقله من جيل إلى آخر. إن جميع المؤسسات المعرفية الكبرى التي ابتكرها الإنسان يمكن فهمها بوصفها استجابات مختلفة للمشكلة ذاتها: كيف نتعامل مع القوة التمثلية الهائلة التي أطلقتها الانعطافة التطورية الأولى؟ وعند هذه النقطة تكتسب السردية القرآنية المتعلقة بالشجرة دلالة جديدة، فإذا كانت الشجرة تمثل اللحظة التي دخل فيها الإنسان عالم التمثلات المعقدة، فإن تاريخ المعرفة البشرية كله يصبح امتدادًا لذلك الحدث الأول. فالدين والفلسفة والعلم ليست ظواهر مستقلة عن قصة الشجرة، بل هي نتائج بعيدة المدى لها. فالإنسان لم يبدأ بالسؤال عن العالم إلا بعد أن أصبح قادرًا على تمثله. ولم يبدأ بالسؤال عن الحقيقة إلا بعد أن أصبح قادرًا على الوقوع في الخطأ المعرفي. ولم يبدأ بالبحث عن اليقين إلا بعد أن أصبح قادرًا على الشك. ومنذ ذلك اليوم لم تعد المعرفة مجرد أداة للبقاء. لقد أصبحت البيئة الجديدة التي يعيش داخلها الإنسان. ولهذا يمكن القول إن الانعطافة التطورية الأولى لم تغير طريقة إدراك الإنسان للعالم فحسب، بل غيرت معنى المعرفة ذاتها. فبعد الأكل من الشجرة لم يعد الإنسان كائنًا يعرف الأشياء فحسب؛ إذ أنه أصبح الكائن الذي لا يستطيع التوقف عن إنتاج المعرفة، وعن مراجعتها، وعن الشك فيها، وعن إعادة بنائها من جديد.
وربما كان هذا هو الإرث الأعمق لفائض التمثّل. فهو لم يمنح الإنسان إجابات جديدة فقط، بل منحه السؤال نفسه. ومنذ ذلك اليوم أصبح التاريخ البشري، في أحد وجوهه الأساسية، تاريخ كائن يحاول أن يفهم تمثلاته عن العالم بقدر ما يحاول أن يفهم العالم نفسه.

أضف تعليق