
من بين الظواهر اللافتة التي أخذت تزداد كثرة وتنوعاً في السنوات الأخيرة تلك الظاهرة التي اصطلح علماء النفس والاجتماع على تسميتها بـ”أزمة ربع العمر”. فبعد أن ظل مصطلح “أزمة منتصف العمر” لعقود طويلة أحد أكثر المفاهيم شيوعًا في وصف الاضطرابات الوجودية التي تصيب الإنسان عند اقترابه من منتصف الطريق بين الولادة والموت، بدأنا نشهد انتقالًا غريبًا لهذه الأزمة نحو أعمار أصغر فأصغر، حتى أصبح الحديث يدور اليوم عن شباب لم يتجاوزوا العشرينات من أعمارهم وهم يعانون أعراضًا كانت تُعد في السابق من خصائص مَن تجاوزوا الأربعين أو الخمسين. وللوهلة الأولى قد يبدو الأمر مجرد تغير في المصطلحات أو تبدل في التصنيفات النفسية، غير أن التأمل الأعمق يكشف أننا أمام ظاهرة أبعد من ذلك بكثير. فما الذي يجعل شابًا في الخامسة والعشرين يشعر بأنه وصل إلى طريق مسدود؟ وما الذي يدفع إنسانًا ما يزال في بدايات حياته إلى الإحساس بالفشل أو الضياع أو فقدان المعنى؟
لقد كانت أزمة منتصف العمر التقليدية ترتبط عادةً بالمقارنة بين حاضر محدود الإمكانات وماضٍ كان يبدو ممتلئًا بالوعود. فعند منتصف العمر يبدأ الإنسان بمراجعة ما تحقق وما لم يتحقق، وما كان يحلم به وما انتهى إليه واقعًا. ومن هنا تنشأ مشاعر الندم والتحسر والإحباط. غير أن ما نشهده اليوم يختلف نوعيًا عن ذلك؛ فالشباب باتوا يعيشون هذه المقارنات قبل أن تتاح لهم أصلًا فرصة خوض التجربة الحياتية كاملة. فلقد أصبح الإنسان المعاصر يعيش داخل فضاء تمثّلي متضخم إلى درجة غير مسبوقة، فهو لا يقارن نفسه بحياته الفعلية، بل يقارنها بعشرات الآلاف من الحيوات الافتراضية التي تعرضها الشاشات يوميًا. فهو لا يقيس إنجازاته بما تسمح به ظروفه الواقعية، بل بما يتخيل أنه كان ينبغي أن يحققه لو سارت الأمور بصورة مثالية. وهكذا أصبح الماضي والحاضر والمستقبل جميعاً موضوعات للمقارنة والندم والقلق في آن واحد.
ولعل أخطر ما في الأمر أن هذه الأزمة لا تبدو ظاهرة عابرة، بل تبدو مقدمة لسلسلة طويلة من الأزمات الوجودية الجديدة التي لم يعرفها الإنسان من قبل. فإذا كانت أزمة منتصف العمر قد انزلقت إلى ربع العمر، فمن يضمن ألا تظهر غدًا أزمة العشرين أو أزمة المراهقة أو حتى أزمة الطفولة؟ إن الاتجاه العام يوحي بأن الأزمات لا تتراجع بل تزداد، وأن الإنسان لا يزداد قدرة على التكيف مع العالم الذي يصنعه، بل يزداد اغترابًا عنه.
ويرتبط ذلك كله بظاهرة أعمق تتمثل في التسارع الهائل الذي فرضه عصر الآلة والذكاء الاصطناعي. فالتحدي الحقيقي الذي يواجه الإنسان اليوم ليس اقتصاديًا ولا تقنيًا فحسب، بل هو تحدٍ معرفي بالدرجة الأولى. إذ لم يعد السؤال: ماذا تستطيع الآلات أن تفعل؟ بل أصبح: ماذا بقي للإنسان أن يفعل بعد أن أصبحت الآلات قادرة على أداء عدد متزايد من المهام التي كان يعدُّها حكرًا عليه؟ ولقد كان المتوقع أن يدفع هذا التحدي الإنسان إلى مراجعة تصوراته عن ذاته، وإلى إعادة بناء منظومته المعرفية بما يتناسب مع المرحلة الجديدة، غير أن ما نشهده في كثير من الأحيان هو العكس تمامًا. فبدلًا من أن يتحول التحدي إلى فرصة للنمو الفكري، تَحَول إلى مناسبة جديدة للإشفاق على الذات، وإلى مادة إضافية للشكوى والتذمر والتحسر على ما فات.
وهنا تتجلى إحدى المفارقات الكبرى في التاريخ البشري. فالإنسان الذي طالما قدّم نفسه بوصفه ذروة التطور وأرقى ما أنتجته الطبيعة يبدو اليوم أقل الكائنات قدرة على التكيف النفسي مع نتائج نجاحاته نفسها. صحيحٌ أن الإنسان قد نجح في بناء حضارة معرفية هائلة، إلا أنه أصبح ضحية مباشرة للتعقيد الذي أنتجته هذه الحضارة. ونجح في مضاعفة قدراته التقنية، لكنه فشل في مضاعفة قدرته على التعايش مع آثارها النفسية والوجودية.
ولذلك فإن أزمة ربع العمر ليست مجرد مشكلة تخص فئة عمرية معينة، وإنما هي عرض من أعراض مأزق أعمق يكشف هشاشة البنية الإنسانية ذاتها. إنها مؤشر على أن الإنسان ما يزال يحمل في داخله نقاط ضعف بنيوية لم تستطع آلاف السنين من التقدم الحضاري أن تتجاوزها. وما لم يتم التعامل مع هذه الهشاشة على نحو مختلف، فإن الأزمات القادمة لن تكون أقل حدة، بل ربما تكون أكثر انتشارًا وأشد إيلامًا.
ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة جذرية للنظام المعرفي الذي يحكم نظرتنا إلى الإنسان وإلى معنى النجاح والفشل وإلى الغاية من الوجود نفسه. فالمشكلة لم تعد في قلة الموارد أو نقص الفرص، بل في الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى نفسه وإلى العالم من حوله. وما لم يحدث هذا التحول المعرفي فإننا سنبقى نشهد ولادة أزمات جديدة بأسماء جديدة، بينما يبقى المرض الحقيقي كامنًا في مكانه دون علاج.
ولعل المفارقة الأشد إثارة للتأمل هي أن الذكاء الاصطناعي نفسه قد يصبح، بصورة أو بأخرى، أحد العوامل التي تدفع الإنسان إلى اكتشاف هذا المأزق. فكلما ازداد تقدم الآلة ازدادت صعوبة الأوهام التي اعتاد الإنسان أن يختبئ خلفها، وكلما كشفت الآلة مزيدًا من القواعد والأنماط والمحددات التي تحكم التفكير والسلوك البشري، أصبح الإنسان مضطرًا إلى مواجهة نفسه كما هي لا كما يحب أن يتخيلها.
إن المستقبل القريب قد لا يكون ساحة للصراع بين الإنسان والآلة بقدر ما سيكون ساحة للمواجهة بين الإنسان ووهمه القديم عن نفسه. وحينها لن يكون السؤال: هل تستطيع الآلة أن تتفوق علينا؟ وإنما يصبح: هل نستطيع نحن أن نتجاوز تلك المنظومة التمثّلية البائسة التي أبقتنا أسرى الحنين والتحسر وعبادة الذات والأسى على ما فات كل هذا الزمان؟ ذلك أن الأزمة الحقيقية ليست أزمة منتصف العمر ولا أزمة ربع العمر، بل أزمة الإنسان نفسه؛ ذلك الكائن الذي لا يزال، رغم كل ما حققه، عاجزًا عن التصالح مع حدود وجوده، وعن تحويل المعرفة إلى حكمة، والتقدم إلى نضج، والقدرة إلى بصيرة.
