من التطور إلى الثورة… كيف تحوّل التغيير الخيّر في الطبيعة إلى كارثة في عالم الإنسان؟

من اللافت أن اللغة الإنكليزية تحتفظ بعلاقة خفية بين كلمتين تبدوان للوهلة الأولى متباعدتين: Evolution و Revolution . وغالبًا ما يُنظر إلى التشابه بينهما على أنه مجرد اشتراك لغوي في معظم الحروف. غير أن التأمل الأعمق يكشف أن ما يجمع بينهما هو أكبر بكثير من ذلك. فكلتا الكلمتين تدل على انتقال من وضع قائم إلى وضع جديد، وعلى إعادة تشكيل للبنية التي كانت موجودة من قبل. إن الثورة، بمعناها العميق، ليست سوى نوع خاص من التطور؛ كما أن التطور، حين يبلغ لحظة التحول الحاسمة، يحمل في داخله شيئًا من معنى الثورة. لكن التشابه يتوقف عند هذه النقطة تقريبًا.
ففي العالَم البايولوجي تمثل عملية التطور واحدة من أكثر الظواهر انتظامًا وإبداعًا في تاريخ الحياة. فالتطور لا يهدم من أجل الهدم، ولا يغير من أجل التغيير، بل يعمل ضمن شبكة دقيقة من التوازنات التي راكمتها الحياة عبر ملايين السنين. وحتى حين تحدث التحولات الكبرى، فإنها تنتهي في الغالب إلى إنتاج أشكال جديدة من التكيف والاستقرار. ولهذا يمكن النظر إلى التطور بوصفه ثورة طبيعية هادفة؛ ثورة لا تُخرِج الحياة عن مسارها بل تدفعها إلى مستويات جديدة من التنظيم والكفاءة.
أما حين ننتقل إلى عالَم الإنسان فإن الصورة تنقلب بصورة تكاد تكون كاملة. فالثورات الإنسانية نادرًا ما تشبه التطور الطبيعي في نتائجه. إنها تبدأ عادة بشعارات مثالية وأحلام كبرى عن الحرية والعدالة والمساواة والخلاص، لكنها كثيرًا ما تنتهي إلى مشاهد من الدماء والخراب والاستبداد لم تكن تخطر حتى على بال أولئك الذين أشعلوا شرارتها الأولى.
ولعل التاريخ لا يقدم لنا مثالًا واحدًا أو اثنين، بل سلسلة طويلة من الأمثلة الصادمة. فكم من ثورة قامت لتحرير الإنسان فانتهت إلى سجنه؟ وكم من حركة رفعت راية العدالة فأغرقت المجتمعات في دوامات من العنف والانتقام؟ وكم من مشروع للتغيير انتهى بإنتاج أشكال جديدة من القهر تفوق أحيانًا ما قامت الثورة نفسها للقضاء عليه؟ والسؤال الذي يستحق التأمل هنا هو: لماذا ينجح التغيير في الطبيعة بينما يفشل غالبًا في عالَم الإنسان؟ إن الجواب قد يكمن في ذلك الفرق الجوهري الذي يفصل الإنسان عن بقية الكائنات الحية. فالحيوان يعيش داخل الواقع المباشر. أما الإنسان فيعيش داخل تمثلاته للواقع، فهو لا يتعامل مع الأشياء كما هي، بل كما يتصورها ويتخيلها ويؤوّلها ويعيد بناءها داخل ذهنه. ومن هنا يصبح كل مشروع للتغيير محمولًا على شبكة هائلة من الأحلام والمخاوف والأوهام والتوقعات والصور الذهنية المتصارعة فيما بينها.
ففي الطبيعة لا توجد أيديولوجيات. ولا توجد تصورات مثالية عن المستقبل. ولا توجد رؤى خلاصية تعد بإنشاء فردوس أرضي جديد. ولذلك تبقى التحولات التطورية محكومة بالواقع نفسه. أما الإنسان فقد أصبح منذ انعطافته التطورية الأولى كائنًا يعيش داخل عالَم من “فائض التمثّل”. وحين يثور لا يثور على الواقع فقط، بل يثور أيضًا على الصور التي صنعها هو بنفسه عن الواقع. ولهذا كثيرًا ما تتحول الثورة إلى صراع بين تمثلات متنافسة أكثر مما تكون استجابة لمقتضيات الواقع الفعلي. ومن هنا يمكن فهم ظاهرة تتكرر بصورة مدهشة عبر التاريخ. فالثائر الذي يبدأ رحلته محاربًا للطغيان قد يتحول إلى طاغية. والمظلوم الذي يطالب بالعدالة قد يصبح ظالمًا حين تتبدل مواقع القوة. والضحية قد تتحول إلى جلاد. ذلك أن الظروف الثورية لا تخلق هذه النزعات من العدم، بل تزيل الأقنعة التي كانت تخفيها. فالإنسان يحمل في داخله طبقات عديدة من الدوافع والرغبات والعداوات المكبوتة. وفي الأحوال العادية تبقى هذه القوى تحت سيطرة القوانين والعادات والمؤسسات والضغوط الاجتماعية، ولكن الثورة، كما الحرب، تعمل على إسقاط هذه الحواجز دفعة واحدة. وعندها يظهر وجه الإنسان العاري كما نادرًا ما يظهر في الظروف الطبيعية.
ولعل هذا ما يفسر لماذا تتشابه الثورات والحروب والأزمات الوجودية الكبرى. فجميعها لحظات تنهار فيها البنى الارتكازية التي تمنح الوعي البشري شعوره بالاستقرار. وعندما يهتز هذا الاستقرار تنكشف مناطق عميقة من “الطبيعة” الإنسانية لا نراها عادة في الحياة اليومية. أما المفارقة الأكبر فتتمثل في أن التطور الحقيقي في المجتمعات البشرية لا يأتي غالبًا نتيجة الثورات، بل نتيجة الضغوط القسرية التي تفرضها التوازنات الجديدة. فكما تضطر الكائنات الحية إلى التكيف مع البيئات المتغيرة، تجد المجتمعات نفسها مضطرة إلى التكيف مع تحولات اقتصادية أو تقنية أو معرفية أو سياسية لم تخترها بإرادتها الكاملة.
فالإنسان لا يتغير عادة لأنه يريد التغير، بل لأنه لم يعد قادرًا على الاستمرار كما كان.
وهكذا يصبح التطور الإنساني، بخلاف التطور البايولوجي، أقرب إلى سلسلة من الاستجابات الاضطرارية لوقائع جديدة تفرض نفسها على الجميع. وما يبدو لنا في كثير من الأحيان تقدمًا إراديًا هو ليس سوى محاولة متأخرة لاستيعاب واقع سبق أن تغير بالفعل.
ومن هنا تنشأ المفارقة الكبرى: فالتطور في الطبيعة ثورة خيّرة تنتج مزيدًا من التكيف والاستقرار، أما الثورة في عالم الإنسان فغالبًا ما تكون محاولة مضطربة لفرض تغيير لا يملك أحد القدرة على التحكم الكامل في نتائجه. ولأن الإنسان يعيش داخل عالم من التمثلات أكثر مما يعيش داخل الواقع نفسه، فإن الثورات التي يصنعها كثيرًا ما تنتهي إلى نتائج تختلف جذريًا عن الأهداف التي انطلقت من أجلها.
وهكذا يبدو أن الكائن الذي نجح في مغادرة الطبيعة لم ينجح بعد في التحرر من الثمن الذي دفعه مقابل تلك المغادرة. فبينما استطاعت الحياة البايولوجية أن تجعل من التطور طريقًا إلى مزيد من التنظيم، لا يزال الإنسان يحول كثيرًا من ثوراته إلى مناسبات يكشف فيها عن أكثر جوانب هشاشته ظلمة.

أضف تعليق