النظرية الموحدة لفائض التمثّل… من الشجرة إلى الحضارة

من بين أكثر ما يميز المعرفة البشرية ميلها الدائم إلى البحث عن الوحدة خلف التعدد، وعن القانون الكامن خلف الظواهر المتفرقة. فكلٌ من تاريخ العلم وتاريخ الفلسفة يكاد يكون سلسلة متواصلة من المحاولات الساعية إلى اختزال التنوع الظاهري للعالم في عدد أقل من المبادئ والقوانين. وقد حققت الفيزياء نجاحاتها الكبرى حين استطاعت أن تكشف الوحدة الكامنة خلف ظواهر بدت متباعدة، كما حققت البيولوجيا قفزتها الكبرى حين ربطت تنوع الحياة بمبدأ تطوري جامع. غير أن الظاهرة الإنسانية ظلت، إلى حد بعيد، عصية على مثل هذا المسعى التوحيدي. فالأخلاق، والفن، والعلم، والسياسة، واللغة، والوعي، والهوية، والحب، والكراهية، والحسد، والقلق، والاغتراب، بدت جميعها وكأنها تنتمي إلى عوالم مختلفة لا يجمع بينها جامع واضح. ولهذا انقسمت دراستها بين علوم ومناهج وتخصصات متعددة، حتى أصبح الإنسان نفسه يبدو وكأنه مجموعة من الظواهر المتجاورة أكثر من كونه ظاهرة واحدة متماسكة.
لكن ماذا لو كانت هذه الصورة مضلِلة؟ وماذا لو كانت معظم الخصائص التي نعدها مميزة للإنسان هي ليست ظواهر مستقلة أصلًا، بل نتائج مختلفة لـ”حدث تأسيسي واحد”؟
فلقد انطلقت هذه السلسلة من المقالات من فرضية بسيطة في ظاهرها، لكنها بعيدة المدى في نتائجها. وهي أن الإنسان لم يصبح إنسانًا بسبب ازدياد ذكائه فحسب، ولا بسبب اللغة وحدها، ولا بسبب تطور دماغه بمعزل عن غيره من العوامل، بل بسبب ظهور ظاهرة جديدة يمكن تسميتها بـ”فائض التمثّل”. والمقصود بفائض التمثّل تلك القدرة الاستثنائية على إنتاج الصور الذهنية والرموز والمعاني والتجريدات وإعادة إنتاجها بصورة تتجاوز بكثير مما تقتضيه ضرورات البقاء المباشر. فالإنسان لا يعيش داخل الواقع فحسب، بل داخل تمثلاته للواقع. ولا يتعامل مع الأشياء كما هي فحسب، بل كما يتخيلها ويتذكرها ويتوقعها ويؤولها. ومن هنا تبدأ جميع الظواهر الإنسانية الكبرى. فالعلم هو ليس سوى تمثل منظم للعالم. والفلسفة هي تمثل للأسئلة النهائية. والفن هو تمثل للجمال والخبرة الإنسانية. واللغة هي نظام لتمثل المعاني. والهوية هي تمثل للذات. والسياسة هي تمثل للقوة والشرعية. والاقتصاد هو تمثل للقيمة. بل إن أكثر الانفعالات الإنسانية شيوعًا يمكن فهمها بالطريقة نفسها. فالحسد ينشأ من مقارنة التمثلات. والغيرة من التهديد التمثلي. والطموح من تمثل مستقبل مختلف. والخوف من تمثل الأخطار المحتملة. والندم من إعادة تمثل الماضي. والقلق من الإفراط في تمثل المستقبل. فنحن كلما تأملنا الظاهرة الإنسانية وجدنا أنفسنا نعود إلى المصدر نفسه. ومن هنا جاءت الحاجة إلى البحث عن أصل هذا المصدر.
ولقد اقترحت هذه السلسلة من المقالات أن الانعطافة التطورية الأولى تمثل اللحظة التي انطلق فيها فائض التمثّل إلى الوجود. ولأن هذه الانعطافة كانت، وفق هذا التصور، ظاهرة فجائية لا تدريجية، فقد جرى الربط بينها وبين السردية القرآنية المتعلقة بالأكل من الشجرة. فبدل أن تُقرأ الشجرة بوصفها مجرد عنصر أخلاقي في قصة دينية، فأن بإمكاننا النظر إليها بوصفها رمزًا لذاكرة بعيدة تحتفظ بذكرى الحدث الذي غيّر المسار التطوري للإنسان. فالأكل من الشجرة، وفقاً لهذه المقاربة التفسيرية الجديدة، لا يمثل مجرد فعل عصيان، بل يمثل لحظة انتقال نوعي من نمط إدراكي إلى نمط إدراكي آخر. ومن هنا يصبح ما تلا الشجرة أكثر دلالة من مسألة الشجرة نفسها. فبعد الأكل من الشجرة ظهر الوعي الذاتي. وظهر السؤال الديني. وظهرت المعرفة المجردة. وظهرت اللغة الرمزية. وظهرت الحضارة. وظهرت أيضًا المعاناة الوجودية. فأجمل ما في الإنسان وأشد ما فيه إيلامًا ينبعان من المصدر نفسه. ولهذا السبب لا يمكن فهم الحضارة بمعزل عن الاغتراب. ولا العلم بمعزل عن الشك. ولا الدين بمعزل عن القلق الوجودي. ولا الإبداع بمعزل عن المعاناة. فكلها وجوه مختلفة لنتيجة واحدة.
لقد رأينا في هذه السلسلة من المقالات أن فائض التمثّل منح الإنسان قدرات لم تعرفها الحياة البايولوجية من قبل. ولكنه في الوقت نفسه وضعه أمام تحديات لم تعرفها هذه الحياة من قبل أيضًا. فالحيوان يتكيف مع البيئة، أما الإنسان فيتكيف مع البيئة ومع تمثلاته عنها في آن واحد. والحيوان يعيش داخل الحاضر، أما الإنسان فيعيش داخل الماضي والمستقبل والاحتمالات. والحيوان يواجه العالم، أما الإنسان فيواجه العالم ويواجه عالمه الداخلي في الوقت نفسه. ومن هنا نشأ المأزق الإنساني. فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يتحول عقله إلى موطن لآلامه، وهو أيضًا الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يحول عقله إلى مصدر لأعظم إبداعاته. ولهذا اقترحت هذه السلسلة من المقالات أن الاسم الذي يصف الإنسان بدقة أكبر قد لا يكون Homo sapiens بل Homo Representans. أي الإنسان المُتمثِّل.
فالذكاء وحده لا يفسر الإنسان. أما التمثّل فيفسر قدرته على المعرفة والوهم، وعلى العلم، وعلى الحب والكراهية، وعلى الحضارة والدمار في الوقت نفسه. ومن هنا يمكن النظر إلى التاريخ البشري كله بوصفه التاريخ الطويل لفائض التمثّل. إنه تاريخ القوة التي انطلقت ذات يوم ثم أخذت تعيد تشكيل العالم والإنسان معًا. فالحضارات هي ليست سوى تراكمات تمثلية. والعلوم ما هي إلا نماذج تمثلية. والهويات هي سرديات تمثلية. والثقافات هي منظومات تمثلية. وحتى الواقع الاجتماعي الذي نعيش داخله هو ليس، في جانب كبير منه، سوى شبكة هائلة من التمثلات المشتركة. وعند هذه النقطة تلتقي الأنثروبولوجيا بالبيولوجيا التطورية، وتلتقي الإبستمولوجيا بعلم النفس، ويلتقي الدين بالتاريخ، ضمن إطار تفسيري واحد.
إذاً فهذه محاولة لفهم الإنسان انطلاقًا من الحدث الذي جعله مختلفًا. ليس بوصفه الكائن الأكثر قوة. ولا الكائن الأكثر حكمة، بل بوصفه الكائن الذي حدث له شيء استثنائي؛ هو شيء جعله يعيش داخل عالمين بدل عالم واحد. عالم الواقع وعالم التمثلات. ومنذ تلك اللحظة لم يعد تاريخ الإنسان سوى تاريخ العلاقة المعقدة بين هذين العالَمين. فالشجرة، في نهاية المطاف، هي ما احتفظت به الذاكرة الإنسانية لذلك الحدث البعيد؛ وهو الحدث الذي أطلق فائض التمثّل، وأطلق معه كل ما نطلق عليه اليوم اسم: الإنسان.

أضف تعليق