الأساطير… برهان متواصل على استمرار تأثير فائض التمثل

من بين جميع الظواهر الإنسانية التي يصعب تفسيرها إذا نظرنا إلى الإنسان بوصفه مجرد كائن أكثر ذكاءً من غيره من الكائنات البايولوجية، تبرز الأساطير بوصفها واحدة من أكثرها إثارةً للحيرة. فليس ثمة كائن بايولوجي آخر نعرفه استطاع أن ينسج هذا الكم الهائل من العوالم المتخيلة، وأن يبني حولها منظومات كاملة من المعاني والمعتقدات والطقوس والتقاليد، ثم يعيش داخلها أحيانًا كما لو كانت جزءًا من الواقع نفسه. فالأسطورة ليست مجرد قصة خيالية أو حكاية شعبية قديمة، بل هي ظاهرة أنثروبولوجية عميقة تكشف شيئًا جوهريًا عن طبيعة الإنسان؛ إذ أنها تكشف أن الإنسان لا يكتفي بالتعامل مع الواقع كما هو، بل يمتلك قدرة استثنائية على إنتاج واقع موازٍ يعيش داخله جنبًا إلى جنب مع الواقع الفعلي. وهذه القدرة هي بالضبط ما نقصده حين نتحدث عن فائض التمثّل.
فالطبيعة لا تعرف الأساطير؛ إذ لا توجد أسطورة عند الأسد عن أصل الأسود، ولا تمتلك الطيور روايات متوارثة تفسر نشأة السماء، ولا تنسج الحيتان قصصًا عن آلهة البحار. فالحيوان يعيش داخل عالم الإدراك المباشر الذي تتيحه له حواسه وغرائزه. أما الإنسان فقد أصبح قادرًا على تجاوز الواقع الحاضر ليملأ الفراغات بالصور والرموز والتخيلات والتأويلات. ولهذا فإن ظهور الأساطير في التاريخ الإنساني لم يكن حادثة ثقافية عرضية، بل كان إعلانًا مبكرًا عن ولادة نمط جديد من الوعي. فمنذ اللحظة التي أصبح فيها الإنسان قادرًا على تمثّل ما لا يراه، وعلى تخيل ما لا وجود له، وعلى بناء روايات تتجاوز الخبرة المباشرة، أصبح الطريق مفتوحًا أمام ظهور الأساطير.
فلقد تحدثت الأساطير عن آلهة تسكن السماء، وعن عمالقة يحملون الأرض، وعن تنانين بحرية، وعن طيور عملاقة، وعن كائنات نصفها إنسان ونصفها حيوان، وعن عوالم خفية تحكم مصائر البشر. وليس المهم هنا أن هذه التصورات كانت صحيحة أو خاطئة، بل إن مجرد القدرة على إنتاجها تكشف عن شيء أكثر دلالة بكثير؛ إذ أنها تكشف أن العقل البشري أصبح يعمل داخل فضاء يتجاوز حدود الواقع المباشر.
واللافت أن الإنسان لا يكتفي بصناعة الأسطورة، بل كثيرًا ما يخضع لها. فهو لا يتعامل معها بوصفها اختراعًا من اختراعاته، بل بوصفها حقيقة مستقلة عنه. وهنا تتجلى إحدى أخطر خصائص فائض التمثّل؛ إذ إن الإنسان لا يخلق التمثلات فحسب، بل يسمح لها بعد ذلك بأن تستولي عليه. ومن هنا يمكن فهم السبب الذي يجعل الأساطير تستمر أحيانًا آلاف السنين رغم تغير الظروف واختفاء الأسباب التي أوجدتها. فحين تتحول التمثلات إلى جزء من البنية النفسية والثقافية للجماعة تصبح قادرة على الاستمرار بذاتها، حتى بعد زوال كل ما أنشأها في الأصل.
والمفارقة أن كثيرًا من البشر ينكرون اليوم وجود فائض التمثّل، في الوقت الذي يعيشون فيه داخل نتائجه صباح مساء. فالأساطير القديمة ليست سوى الشكل البدائي لهذه الظاهرة، أما أشكالها المعاصرة فتملأ العالم من حولنا. فالأيديولوجيات الكبرى، والصور النمطية، ونظريات المؤامرة، والوعود الطوباوية، والهويات المتخيلة، والبطولات المصنوعة إعلاميًا، كلها تقوم على الآلية نفسها التي أنتجت الأسطورة الأولى.
فلقد تغيرت الأسماء، لكن البنية النفسية بقيت كما هي.
فالإنسان ما زال الكائن الوحيد القادر على أن يبكي بسبب ذكرى لم تعد موجودة، وأن يخاف من مستقبل لم يأتِ بعد، وأن يكره شخصًا بسبب صورة ذهنية عنه، وأن يضحي بحياته دفاعًا عن فكرة لا وجود ماديًا لها. وهذه كلها مظاهر مختلفة لفائض التمثّل نفسه. ولهذا يمكن القول إن الأساطير لا تمثل دليلًا على جهل الإنسان القديم بقدر ما تمثل دليلًا على الطبيعة الخاصة للعقل البشري. فهي تكشف أن الإنسان لم يعد يعيش داخل الواقع وحده، بل أصبح يعيش داخل طبقات متراكبة من التمثلات التي يصنعها بنفسه ثم يخضع بإرادته لسلطانها. ومن هذه الزاوية تغدو الأسطورة أكثر من مجرد حكاية من الماضي؛ إذ أنها مرآة تكشف لنا حقيقة الإنسان ذاته. فهي الشاهد التاريخي الأكبر على تلك الانعطافة الوجودية التي جعلت الإنسان كائنًا يعيش داخل العالَم، ولكنه يعيش في الوقت نفسه داخل صورةٍ عن العالَم. ومنذ تلك اللحظة لم يعد الواقع وحده هو الذي يحكم مصير الإنسان، بل أصبحت التمثلات التي ينتجها عقله شريكًا دائمًا في صناعة ذلك المصير.
ولعل هذا هو السبب في أن تاريخ الإنسان يمكن قراءته، إلى حد بعيد، بوصفه تاريخ الصراع بين الواقع من جهة، وبين التمثلات التي يصنعها عنه من جهة أخرى. فالأسطورة لم تختفِ قط، وإنما غيرت أقنعتها فقط. أما فائض التمثّل الذي أنجبها فما يزال يمارس سلطانه على الإنسان، وربما اليوم أكثر مما فعل في أي وقت مضى.

أضف تعليق