الإنسان وقناع الصراحة…لماذا أصبح إخفاء الحقيقة جزءًا من طبيعتنا؟

من بين الظواهر الإنسانية التي يصعب العثور على ما يماثلها في عالم الكائنات البايولوجية الأخرى، تبرز ظاهرة إخفاء المشاعر والدوافع الحقيقية بوصفها واحدة من أكثر الظواهر التصاقًا بالحياة البشرية. فالإنسان لا يعيش ما يشعر به فحسب، بل يعيش أيضًا ما يود أن يظهره للآخرين، وما يخشى أن يظهره لهم، وما يقنع نفسه بوجوده أو عدم وجوده. ولهذا يبدو الإنسان الكائن الوحيد الذي لا يكتفي بإخفاء بعض حقائقه عن الآخرين، بل ينجح أحيانًا في إخفائها عن نفسه أيضًا.
فالإنسان، في معظم الأحوال، لا يصرّح تصريحًا كاملاً بحقيقة مشاعره ورغباته ومخاوفه ودوافعه. وهو لا يفعل ذلك بالضرورة بدافع الخداع أو النفاق المتعمد، وإنما لأن بنيته النفسية ذاتها أصبحت قائمة على وجود مسافة تفصل بين ما يشعر به فعلًا وما يعلنه عن نفسه. وكأن الإنسان يعيش في عالمين متوازيين؛ عالم داخلي مكتظ بالرغبات والهواجس والدوافع والآمال والمخاوف، وعالم خارجي لا يظهر منه إلا ما تسمح به اعتبارات المكانة الاجتماعية أو الأخلاقية أو الثقافية أو النفسية.
ولو تأملنا بقية الكائنات الحية لوجدنا أن هذه الازدواجية تكاد تكون غائبة عنها. فالحيوان لا يحتاج إلى إخفاء خوفه الحقيقي خلف خطاب شجاع، ولا إلى إخفاء رغبته خلف تبريرات أخلاقية، ولا إلى إقناع نفسه بأنه لا يريد ما يريده بالفعل. فالحيوان يتحرك وفق دوافعه كما هي، ويعبر عنها كما هي، ضمن الحدود التي رسمتها له طبيعته البيولوجية، أما الإنسان فقد أصبح، بفعل فائض التمثّل، قادرًا على بناء طبقات متراكمة من الصور والتمثلات التي تفصل بينه وبين دوافعه الأصلية.
ولعل هذا ما يجعل الصراحة واحدة من أكثر الفضائل ندرة في الحياة الإنسانية. فليس من السهل على الإنسان أن يعترف بحقيقة ما يشعر به. وقد يكون من الأصعب عليه أن يعترف بها لنفسه أصلًا. فكثيرًا ما يتخيل الإنسان أنه يتخذ موقفًا ما بدافع أخلاقي أو فكري أو عقلاني، بينما تكون الدوافع الحقيقية كامنة في مكان آخر تمامًا؛ في خوف دفين، أو رغبة خفية، أو حسد مكتوم، أو حاجة إلى الاعتراف والتقدير، أو شعور بالنقص يسعى إلى تعويضه بطرق شتى. ومن هنا نشأت واحدة من أعقد الظواهر النفسية في التاريخ الإنساني، وهي ظاهرة التبرير. فالإنسان لا يكتفي بإخفاء دوافعه الحقيقية، بل ينتج باستمرار روايات بديلة يفسر بها أفعاله ومواقفه. وهكذا يصبح التمثّل ليس مجرد أداة لفهم العالم، بل أداة لإعادة صياغة الذات نفسها. فيعيش الإنسان أحيانًا داخل صورة متخيلة عن نفسه أكثر مما يعيش داخل حقيقته الفعلية. وتبدو هذه الظاهرة واضحة بصورة خاصة في العلاقة بين الجنسين، فقد ارتبطت المرأة، عبر قرون طويلة من التقاليد الاجتماعية والثقافية، بمنظومات معقدة من الضبط والكبت وإدارة الانفعالات. فأصبحت القدرة على إخفاء المشاعر أو التحفظ في التعبير عنها جزءًا من المهارات التي تعلمتها أجيال متعاقبة من النساء، سواء بفعل التربية أو بفعل ضرورات التكيف مع البنى الاجتماعية السائدة. غير أن اختزال هذه الظاهرة في المرأة وحدها سيكون تبسيطًا مخلًا، فالرجل بدوره يطور أشكالًا أخرى من الإخفاء لا تقل عمقًا؛ إذ يتعلم إخفاء ضعفه وخوفه وهشاشته واحتياجاته العاطفية خلف أقنعة القوة والسيطرة والثقة بالنفس. ولهذا فإن ما يبدو اختلافًا بين الرجل والمرأة قد يكون في كثير من الأحيان اختلافًا في نوع الأقنعة لا في وجودها. فالطرفان يعيشان داخل منظومات من التمثلات الاجتماعية التي تحدد ما ينبغي إظهاره وما ينبغي إخفاؤه، وكلما ازدادت هذه التمثلات تعقيدًا ازدادت المسافة بين الإنسان وحقيقته الداخلية.
ومن المفارقات اللافتة أن المجتمعات الغربية الحديثة، رغم ما رفعته من شعارات الحرية الفردية والتحرر من القيود التقليدية، لم تنجح في إنهاء هذه الأزمة، بل ربما كشفت عن أبعاد جديدة لها، فكلما تراجعت بعض القيود القديمة ظهرت قيود جديدة أكثر خفاءً. وأصبح الإنسان مطالبًا بأن يكون شيئًا ما، وأن يظهر بصورة معينة، وأن يحقق نموذجًا محددًا للنجاح أو الجاذبية أو الاستقلال أو التميز. وهكذا لم تختف الأقنعة، بل تبدلت أشكالها فقط.
ولعل ما نشهده اليوم من أزمات هوية متزايدة، ومن شعور متنامٍ بالاغتراب عن الذات، ومن اتساع الفجوة بين الحياة الداخلية والصورة المعروضة للعالم، يمثل وجهًا آخر من وجوه الأزمة ذاتها. فكلما ازداد فائض التمثّل تعاظمت قدرة الإنسان على إنتاج الصور البديلة عن ذاته، وتعاظمت معها صعوبة الوصول إلى تلك الذات الأصلية المختبئة خلف طبقات التمثلات.
وهنا يتجلى أحد أكثر أوجه الهشاشة الإنسانية عمقًا. فالإنسان ليس الكائن الذي يكذب على الآخرين فحسب، بل هو الكائن الوحيد القادر على الكذب على نفسه، ثم نسيان أنه يفعل ذلك. وهو الكائن الوحيد القادر على أن يعيش سنوات طويلة داخل صورة صنعها عن ذاته حتى يختلط عليه الفرق بين ما هو عليه فعلًا وما يتخيل أنه عليه.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى الصراحة لا بوصفها مجرد فضيلة أخلاقية، بل بوصفها مهمة وجودية شاقة. فأن يكون الإنسان صريحًا حقًا لا يعني أن يقول الحقيقة للآخرين فحسب، بل أن يمتلك الشجاعة الكافية لرؤية نفسه كما هي، دون تجميل أو تبرير أو إنكار. غير أن هذه المهمة تصبح أكثر صعوبة كلما ازداد نفوذ فائض التمثّل؛ ذلك أن القوة التي منحت الإنسان اللغة والحضارة والفن والفلسفة هي نفسها التي جعلته أكثر الكائنات قدرة على الاختباء من الحقيقة، حتى حين تكون تلك الحقيقة ساكنة في أعماقه هو ذاته.

أضف تعليق