
من بين جميع الكائنات الحية التي عرفتها الأرض، يبدو الإنسان الكائن الوحيد الذي يقضي جزءًا كبيرًا من حياته خارج الزمن الذي يعيش فيه فعليًا. فهو موجود جسديًا في الحاضر، لكنه يعيش نفسيًا وعقليًا في أماكن أخرى؛ في ماضٍ انتهى منذ زمن، أو في مستقبل لم يولد بعد. وإذا كانت الذكريات تمثل البوابة التي يعود عبرها الإنسان إلى الماضي، فإن التوقعات والآمال والمخاوف تمثل البوابة التي يهاجر عبرها إلى المستقبل.
ولعل هذه القدرة تبدو للوهلة الأولى واحدة من أعظم مزايا الإنسان. فهي التي سمحت له بالتخطيط والاستعداد والابتكار وبناء الحضارات. غير أن الوجه الآخر لهذه القدرة يكشف مفارقة عجيبة. فالمستقبل، الذي لا وجود له بعد، أصبح واحدًا من أكثر القوى تأثيرًا في حياة الإنسان.
فما هو المستقبل في حقيقته؟ المستقبل، هو ليس شيئًا موجودًا في العالم الخارجي. فلا أحد يستطيع أن يراه أو يلمسه أو يدخل إليه. فهو لا يوجد إلا بوصفه تمثّلًا ذهنيًا داخل العقل البشري. ومع ذلك فإن هذا الشيء غير الموجود بعد يستطيع أن يملأ الإنسان خوفًا أو أملاً أو قلقًا أو حماسة، وأن يدفعه إلى اتخاذ قرارات تغير حياته بأكملها. وهنا يظهر فائض التمثّل في واحدة من أكثر صوره إدهاشًا.
فالحيوان يخاف الخطر حين يراه أو يشمه أو يسمعه، فإذا ابتعد الخطر عاد غالبًا إلى حالة من التوازن. أما الإنسان فقد أصبح قادرًا على أن يخاف خطرًا لم يقع بعد، وربما لن يقع أبدًا، بل إنه يستطيع أن يعيش سنوات طويلة تحت وطأة احتمالات مستقبلية لا وجود لها إلا في مخيلته.
فكثيرٌ من آلام الإنسان ليست آلامًا ناجمة عن الواقع الحاضر، بل عن تمثلاته للمستقبل. فالطالب قد يعاني اليوم بسبب امتحان سيأتي بعد أشهر. والموظف قد يفسد عليه الغد احتمال فقدان وظيفته بعد سنوات. والمريض قد يعيش رعبًا مستمرًا بسبب سيناريوهات لم تحدث. وكبير السن قد يقضي ما تبقى من عمره خائفًا من الموت القادم. وفي جميع هذه الحالات لا يكون مصدر المعاناة حدثًا قائمًا بالفعل، بل صورة ذهنية لحدث محتمل. ومن هنا يمكن القول إن المستقبل يمثل أحد أعظم إنجازات فائض التمثّل، وأحد أعظم كوارثه في الوقت نفسه. فمن جهة، لولا القدرة على تمثّل المستقبل لما استطاع الإنسان أن يزرع اليوم من أجل حصاد الغد، أو أن يبني بيتًا سيحتاجه بعد سنوات، أو أن يطور علمًا قد يستفيد منه أحفاده. إن الحضارة كلها مدينة لهذه القدرة الاستثنائية على تجاوز اللحظة الراهنة، لكن من جهة أخرى، فإن هذه القدرة نفسها جعلت الإنسان الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يعذب نفسه بأشياء لم تحدث. فلقد أصبح الإنسان قادرًا على أن يعيش الكارثة قبل وقوعها، وأن يعاني الهزيمة قبل حدوثها، وأن يبكي خسارة لم تقع بعد، وأن يخاف موتًا لم يأتِ أو قد لا يأتي بالصورة التي يتخيلها أصلًا. وهكذا يتحول المستقبل من أداة للبناء إلى مصدر دائم للقلق.
ولعل هذا ما يفسر حقيقة لافتة في الحياة الإنسانية. فكلما ازدادت قدرة الإنسان على التنبؤ بالمستقبل ازداد قلقه بشأنه. فالمعرفة لا تزيل المخاوف دائمًا، بل إنها قد تضاعفها أحيانًا لأنها توسع نطاق التمثلات الممكنة. فالإنسان القديم كان يخشى الجفاف أو المرض أو المجاعة، أما الإنسان المعاصر فأصبح يخاف إضافة إلى ذلك الانهيار الاقتصادي، والأزمات العالمية، والاحتباس الحراري، والحروب النووية، والذكاء الاصطناعي، وفقدان الوظيفة، وتراجع المكانة الاجتماعية، وعشرات السيناريوهات الأخرى التي لم يكن أسلافه قادرين حتى على تخيلها. وكلما توسعت المعرفة توسعت معها مساحة المستقبل الذي يسكنه الإنسان.
وهنا تتجلى إحدى أكثر المفارقات عمقًا في الظاهرة الإنسانية. فالكائن الذي استطاع بفضل فائض التمثّل أن يبني الحضارة أصبح هو نفسه أسيرًا لكثير من النتائج التي ترتبت على هذا الفائض. فالحيوان يعيش في عالم الواقع، أما الإنسان فيعيش في عالم الاحتمالات. والاحتمالات لا نهاية لها، ولهذا السبب لا يوجد كائن على الأرض يستهلك طاقة نفسية في التفكير بما لم يحدث كما يفعل الإنسان. فالإنسان لا يكتفي بالاستعداد للمستقبل، بل يسكنه فعليًا، فهو يقضي ساعات وأيامًا وسنوات داخل أحداث لم تقع بعد، ويتعامل معها كما لو أنها كانت جزءًا من الواقع الحاضر.
ومن هنا يمكن فهم جانب كبير من ظواهر القلق والتوتر والاكتئاب والوسواس التي أصبحت تميز الحياة المعاصرة. فهذه الظواهر ليست منفصلة عن القدرة الإنسانية على تمثّل المستقبل، بل هي في كثير من الأحيان أحد منتجاتها المباشرة. فالمستقبل، بهذا المعنى، يشبه الأساطير التي ناقشناها في مقالات سابقة. فالمستقبل هو ليس واقعًا قائمًا، بل هو بناء تمثلي يخلقه العقل، لكنه يختلف عنها في أنه أسطورة لا يستطيع الإنسان الاستغناء عنها. فالحياة الإنسانية نفسها تقوم على الإيمان بالغد. ولهذا فإن المشكلة لا تكمن في وجود المستقبل داخل وعينا، بل في تحول تمثلاتنا عنه إلى قوة تستولي على حاضرنا بالكامل. فحين يحدث ذلك يصبح الإنسان غريبًا عن اللحظة التي يعيشها، فهو لا يكون حاضرًا في الحاضر، بل موزعًا بين مخاوف الغد وآماله.
ولعل هذه هي المفارقة الكبرى التي صنعها فائض التمثّل؛ إذ أنه منح الإنسان القدرة على أن يعيش ما لم يوجد بعد، لكنه جعله في المقابل أقل الكائنات قدرة على الاكتفاء بما يوجد الآن.
وهكذا يكشف المستقبل مرة أخرى عن الحقيقة نفسها التي كشفتها الأساطير والأيديولوجيات. فالإنسان هو ليس الكائن الذي يعيش الواقع فحسب، بل هو ايضاً الكائن الذي يعيش داخل تمثلاته عن الواقع. وربما كان المستقبل أكبر هذه التمثلات جميعًا، لأنه المكان الذي يقضي فيه الإنسان جزءًا كبيرًا من حياته، رغم أنه المكان الوحيد الذي يتوهم الانسان أنه لم يطأه أحد قط.
