
إذا كانت الطبيعة قد نجحت عبر ملايين السنين في بناء منظومات دقيقة تحفظ التوازن بين الأفراد والجماعات، فإن من أهم هذه المنظومات تلك الآليات التي تضبط التنافس وتمنعه من التحول إلى قوة مدمرة تهدد بقاء الكائنات الحية نفسها. فالحياة الطبيعية لا تخلو من التنافس، بل أن التنافس جزء أساسي من الحركة التطورية للكائنات الحية. غير أن هذا التنافس يبقى محكومًا بقيود صارمة تحول دون تحوله إلى فوضى شاملة أو حرب دائمة.
فالحيوانات تتنافس على الغذاء، وعلى مناطق النفوذ، وعلى فرص التزاوج، لكنها لا تجعل التنافس غاية قائمة بذاتها. وما أن تتحقق الغاية المباشرة حتى يتوقف الصراع ويعود التوازن إلى المنظومة. ولهذا لا نجد في الطبيعة سباقات لا تنتهي بين أفراد النوع الواحد، ولا نجد كائنات تقضي حياتها كلها في محاولة التفوق المستمر على أقرانها. فالطبيعة تعمل وفق منطق البقاء، لا وفق منطق المقارنة. غير أن المشهد يتغير بصورة جذرية عندما ننتقل إلى عالَم الإنسان؛ فالإنسان لا يتنافس فقط من أجل الطعام أو الأمان أو التناسل، بل يتنافس من أجل المكانة، والاعتراف، والتفوق الرمزي، والهيبة، والشهرة، والسلطة، والثروة، والنفوذ، بل وحتى من أجل التفوق في أمور لا تحقق له أي منفعة بايولوجية مباشرة. وهنا تبدأ المفارقة الكبرى. فالطفل يدخل إلى المدرسة ليجد نفسه داخل منظومة تنافسية، والطالب يقاس بترتيبه بين زملائه، والموظف يقارن بغيره، والتاجر ينافس منافسيه، والفنان ينافس الفنانين الآخرين، والعالِم يسعى إلى سبق علمي مخافة أن يسبقه إليه أحد آخر غيره إن هو تأخر. وحتى الرياضة، التي يُفترض أنها نشاط ترفيهي أو بدني، تحولت إلى ساحات ضخمة للصراع الرمزي بين الأفراد والجماعات والشعوب، بل أن الأمر تجاوز ذلك كله ليصبح التنافس هو المحرك الأساسي لسياسات الدول نفسها؛ فالدول تتنافس على النفوذ، والأسواق، والموارد، والتكنولوجيا، والتسلح، والهيمنة الثقافية، وكأن الإنسانية بأسرها دخلت سباقًا لا يعرف أحد متى بدأ ولا إلى أين ينتهي.
وهنا يبرز سؤال بالغ الدلالة: كيف أمكن لهذا الشكل من التنافس أن يظهر أصلًا؟
فالتفسير الدارويني التقليدي يستطيع أن يفسر التنافس الطبيعي الذي يخدم البقاء والتناسل، لكنه يواجه صعوبة كبيرة في تفسير هذا التضخم الهائل الذي أصاب النزعة التنافسية البشرية. فالكثير من أشكال التنافس البشري لا تزيد فرص البقاء، بل قد تنقصها! وكثير منها لا يخدم استقرار الجماعة، بل يقوضه! بل أن بعض أكثر صور التنافس شراسة تنتهي إلى حروب مدمرة ومجاعات وانهيارات اقتصادية وكوارث حضارية تصيب الجميع دون استثناء.
ولو كان الإنسان استمرارًا سلِسًا ومباشرًا للنموذج الحيواني لكان المتوقع أن تبقى المنافسة محصورة ضمن الحدود التي تحفظ التوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة، غير أن ما نراه في الواقع يشير إلى شيء مختلف تمامًا. فثمة خلل أصاب العلاقة بين الفرد والمجموع حتى أخذت الفردانية تتمدد بصورة غير مسبوقة على حساب الانتماء الجماعي.
ولعل السبب الأعمق وراء ذلك يتمثل فيما عرَّفته هذه السلسلة من المقالات بـ “فائض التمثّل”. فالحيوان يتعامل غالبًا مع الواقع المباشر، أما الإنسان فيعيش داخل عالم موازٍ من الصور الذهنية والتصورات والرموز والتقييمات والمقارنات؛ فهو لا يرى نفسه كما هي فحسب، بل كما تبدو في أعين الآخرين، وكما يتخيل أن الآخرين يرونها، وكما يتمنى أن تكون عليه مقارنة بمن حوله.
ومن هنا ولدت “المقارنة المستمرة”؛ فالإنسان لا يكتفي بأن يمتلك شيئًا، بل يريد أن يمتلك أكثر من غيره. ولا يكتفي بالنجاح، بل يريد أن يكون أكثر نجاحاً من الآخرين. ولا يكتفي بالشهرة، بل يريد أن يكون هو الأكثر شهرة. وهكذا يتحول التنافس من وسيلة إلى غاية، ومن وظيفة طبيعية إلى حالة وجودية مزمنة. فالطبيعة لم تسمح للكائنات الحية بأن تعيش داخل مرايا المقارنة الدائمة، والطبيعة سمحت للإنسان الأول قبل الانعطافة التطورية الكبرى بأن يبقى ضمن التوازن نفسه الذي يحكم بقية الكائنات. أما بعد تلك الانعطافة، فقد أصبح الإنسان كائنًا يحمل داخله محركًا تنافسيًا لا يكاد يتوقف عن العمل، وذلك لأنه لم يعد يتفاعل مع الواقع وحده، بل مع تمثلاته الذهنية اللامتناهية لهذا الواقع.
ومن هنا يمكن فهم كثير من أزمات الحضارة الحديثة؛ فالتقدم العلمي الهائل نفسه تغذيه المنافسة، والنمو الاقتصادي يتغذى على المنافسة، والابتكار الصناعي يتغذى على المنافسة.
غير أن القوة التي تدفع الحضارة إلى الأمام هي ذاتها التي تهددها بالانهيار. فكلما اتسعت دائرة التنافس تقلصت مساحة التعاون، وكلما تضخمت الفردانية تراجع الشعور بالمصير المشترك. ولهذا يبدو التنافس الإنساني أحد أوضح الشواهد على أن الإنسان لم يعد يتحرك وفق الآليات الطبيعية التي تضبط بقية الكائنات الحية؛ فهو لم يخرج من الطبيعة لأنه أصبح أكثر ذكاءً فحسب، بل لأنه أصبح أسير عالم من التمثلات الذهنية التي أعادت تشكيل علاقته بنفسه وبالآخرين وبالجماعة التي ينتمي إليها.
ولعل الخطر الأكبر لا يكمن في وجود التنافس بحد ذاته، فالتنافس كان وسيبقى جزءًا من الحياة البايولوجية، وإنما في فقدان الحدود التي كانت تضبطه. فعندما يتحول كل شيء إلى سباق، وكل إنسان إلى منافس محتمل، وكل جماعة إلى خصم، يصبح التنافس قوة هدم أكثر منه قوة بناء. وعند هذه النقطة لا يعود السؤال المطروح هو: كيف تقدم الإنسان إلى هذا الحد؟ بل يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يستطيع الإنسان أن ينجو من القوة التي دفعت حضارته إلى الوجود أصلًا؟ أم أن التنافس الذي كان يومًا محركًا للتقدم قد يتحول في النهاية إلى أحد أهم العوامل التي تهدد مستقبل النوع الإنساني نفسه؟
