
من بين أكثر الظواهر الإنسانية إثارة للحيرة، إذا ما نظرنا إليها من منظور بايولوجي تطوري، تبرز ظاهرة العنف المنزلي بوصفها واحدة من أكثر أشكال العدوان ابتعادًا عن المنطق الذي يحكم عالم الطبيعة. فالحيوان قد يكون مفترسًا، وقد يكون شرسًا، وقد يدخل في صراعات عنيفة مع أفراد نوعه أو مع الأنواع الأخرى، غير أن عنفه يبقى في جميع الأحوال محكومًا بضوابط صارمة فرضتها عليه ملايين السنين من الانتخاب الطبيعي. فالطبيعة لا تسمح بالهدر، ولا تشجع السلوك الذي يستهلك الطاقة دون مردود ذي صلة بمنفعة تطورية ما، ولا تكافئ الكائن الذي يوجه عدوانه بصورة عبثية إلى حيث لا منفعة تطورية يمكن أن تتحقق؛ فالحيوان لا يتحرك إلا إذا كانت الحركة ضرورية، ولا يقاتل إلا إذا كان القتال يحقق هدفًا مباشرًا يتعلق بالبقاء أو التناسل أو حماية المجال الحيوي. وحتى أكثر الحيوانات شراسة لا تعيش في حالة عدوان دائم، ولا تجعل العنف غاية قائمة بذاتها؛ فالأسد لا يفترس صغاره، والذئب لا ينهال على أنثاه ضربًا لمجرد تفريغ غضبه، والطيور لا تدمر أعشاشها بأيديها، لأن مثل هذه السلوكيات تتعارض مع أبسط المبادئ التي يقوم عليها اقتصاد الطبيعة. فالطبيعة تعمل وفق نظام بالغ الدقة في إدارة الموارد، وكل طاقة تُصرف ينبغي أن يكون لها مردود، وكل مخاطرة ينبغي أن يقابلها احتمال منفعة. ولذلك فإن السلوكيات التي تهدد استقرار الجماعة أو تضر مباشرة بالنسل أو تضعف فرص البقاء لا تجد طريقها بسهولة إلى الاستمرار عبر التاريخ التطوري الطويل للكائنات الحية.
لكننا حين ننتقل إلى عالَم الإنسان نجد أنفسنا أمام مشهد مختلف تمامًا؛ فالرجل الذي يعود إلى منزله ليعتدي بالضرب على زوجته أو أطفاله لا يحقق بذلك أي منفعة تطورية واضحة، بل أن ما يفعله يؤدي غالبًا إلى نتائج معاكسة تمامًا، إذ يزرع الخوف والكراهية داخل الأسرة، ويفكك الروابط التي يُفترض أن تكون مصدر الأمان والاستقرار، ويُلحق أضرارًا نفسية وعاطفية قد تمتد عبر أجيال متعاقبة، بل أن العنف المنزلي كثيرًا ما ينتهي إلى تدمير الأسرة نفسها، وإلى إضعاف فرص الأبناء في النمو السوي، وإلى إنتاج مزيد من العنف في المستقبل.
ولو نظرنا إلى المسألة بمنطق الانتخاب الطبيعي البحت لوجدنا أن هذا السلوك أقرب إلى تبديد الموارد منه إلى استثمارها. فهو يستهلك الطاقة، ويقوض الاستقرار الاجتماعي، ويضر بالنسل الذي يُفترض أن يكون محور الاستثمار التطوري للكائن الحي. ومن هنا تبرز المفارقة الكبرى: لماذا يظهر مثل هذا السلوك أصلًا إذا كان يتعارض مع المنطق الذي يحكم السلوك البايولوجي الطبيعي؟ إن الجواب يصبح أكثر وضوحًا إذا ما أدركنا أن العدوان الإنساني لم يعد يعمل ضمن الحدود التي تنظمه في عالم الحيوان. فالعدوان في الطبيعة أداة وظيفية محددة الغايات، أما عند الإنسان فقد تحول في كثير من الأحيان إلى ظاهرة مستقلة عن وظائفها الأصلية. فلقد انفلت العدوان من القيود التي كانت تضبطه، وأصبح قادرًا على أن يتجه نحو أقرب الناس إلى الإنسان بدل أن يتجه نحو مصادر الخطر الحقيقية.
واللافت أن العنف المنزلي ليس حالة استثنائية أو نادرة، بل هي ظاهرة عالمية عرفتها مختلف المجتمعات والثقافات والعصور. وهذا الانتشار الواسع يجعل منها مؤشرًا على خلل بنيوي عميق في التنظيم السلوكي الإنساني وليس مجرد انحرافات فردية معزولة. فحين يتكرر نمط سلوكي بهذا الحجم عبر التاريخ البشري كله، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كنا أمام نتيجة مباشرة لخصائص كامنة في البنية الإنسانية ذاتها. وهنا تتقاطع ظاهرة العنف المنزلي مع سائر الظواهر التي تميز الإنسان عن سلفه الحيواني، من فائض التمثّل إلى القلق الوجودي، إلى الكذب، إلى الحسد، إلى العداوات العقائدية، إلى الحروب التي تُخاض من أجل أفكار ورموز لا وجود مادّيًا لها. فجميع هذه الظواهر تشير إلى أن الإنسان لم يعد يعمل وفق المنظومة السلوكية ذاتها التي تعمل وفقاً لها الكائنات الأخرى.
فالداروينية والبايولوجيا التطورية قدمتا تفسيرًا بالغ الدلالة لكثير من جوانب الحياة، لكنهما تواجهان صعوبة متزايدة كلما اقتربنا من الظاهرة الإنسانية في خصوصيتها الفريدة. فالعنف المنزلي، مثل غيره من أشكال العدوان البشري غير الوظيفي، لا يبدو مجرد امتداد طبيعي لصراعات الحيوان، بل يمثل خروجًا عن الاقتصاد السلوكي الذي حكم الحياة عبر ملايين السنين.
ولهذا فإن تراكم الشواهد لا يقود إلى البحث عن حلقة مفقودة فحسب، بل يدفع إلى التساؤل عما إذا كانت هناك بالفعل مرحلة مفصلية في تاريخ الإنسان جعلته يغادر الإطار الطبيعي الذي تعمل داخله الكائنات الحية الأخرى، وهي مرحلة ترافقت مع ظهور فائض التمثّل، ومع انفراط ضوابط العدوان، ومع العري البشري، ومع النشاط الجنسي غير المقيد بموسم محدد، ومع سلسلة طويلة من الخصائص التي لا نجد لها نظيرًا كاملاً في عالَم الحيوان. وعند هذه النقطة يصبح السؤال الحقيقي ليس كيف تطور الإنسان من سلفه الحيواني فحسب، بل كيف ولماذا توقف عن البقاء كائنًا طبيعيًا بالمعنى الذي بقيت عليه سائر الكائنات الحية. فالعنف المنزلي، شأنه شأن كثير من الظواهر الإنسانية الأخرى، يبدو شاهدًا إضافيًا على أن الإنسان يعيش منذ زمن طويل خارج الحدود التي رسمتها الطبيعة لبقية أبنائها.
