التاريخ لا يعيد نفسه.. بل يملي دروسه: من فرساي 1919 إلى فرساي اليوم

كثيراً ما يُقال إن التاريخ هو مرآة الماضي، لكن الحقيقة هي أنه بوصلة الحاضر ومنارة المستقبل. فهو المدرسة الأكبر التي لا تكف عن تزويد البشرية بالدروس والعِبر، شريطة أن نجد من يقرأ فصولها بتمعن. ولعل ما شهده قصر فرساي الشهير يوم أمس، من توقيع الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب على وثيقة التفاهم مع إيران، يعيد إلى الأذهان بظلاله الكثيفة أحد أهم الهواجس التاريخية التي غيرت مجرى العالم. فالرمزية المكانية هنا لا يمكن التغافل عنها؛ فقصر فرساي هو ذاته المكان الذي شهد عام 1919 توقيع “معاهدة فرساي” الشهيرة، التي كرّست انتصار الحلفاء وأنهت الحرب العالمية الأولى. لكن تلك المعاهدة، بدلاً من أن تصنع سلاماً مستداماً، صاغت بشروطها القاسية بذور فناء السلم العالمي.
فلقد تضمنت معاهدة فرساي (1) شروطاً إقصائية ومذلة؛ حيث اعتبرها الشعب الألماني طعنة في كبريائه القومي (مثل تجريد السلاح، والتعويضات المالية الهائلة، واقتطاع الأراضي). فهذه الشروط بالتحديد كانت البيئة الخصبة والبذور الكامنة التي وجدها أدولف هتلر، فعمل على تنميتها وسقاية جذورها بملعقة المظلومية التاريخية. فلقد اتخذ هتلر من إرث فرساي ذريعة كبرى لتحشيد الجماهير الألمانية وتأجيج مشاعر الانتقام، الأمر الذي عَبَّد له الطريق لاكتساح الانتخابات عام 1933، ومن ثم اكتساح جيوشه لأراضي بولندا عام 1939، ولتشتعل بذلك شرارة حرب عالمية ثانية حصدت أرواح الملايين.
وعند النظر في بنود وثيقة التفاهم الموقعة بالأمس بين ترامب وإيران، نجد أنها ركزت على ملفات بالغة الحساسية؛ حيث شملت قيوداً صارمة على التخصيب النووي، وتفكيكاً لبعض البنى التحتية العسكرية، مقابل رفع تدريجي ومشروط للعقوبات الاقتصادية الخانقة التي أثقلت كاهل الشعب الإيراني لسنوات. وهنا يبرز وجه المقارنة والتحذير؛ فإذا تم التعامل مع هذه البنود كـ “أداة لتركيع طرف وإذلاله” وتحويل رفع العقوبات إلى وسيلة للضغط الدائم دون أفق حقيقي للتنمية السياسية والاقتصادية المتكافئة، فإننا نكون قد استنسخنا روح “معاهدة 1919” الإقصائية. إن فرض شروط مجحفة تشعر فيها الشعوب أو النخب بأن سيادتها قد انتُهكت بالكامل، يخلق تلقائياً تياراً كامناً من الغضب، وينتظر فقط قيادة شعبوية مستقبليّة تستغل هذا الإحباط لتحشيد الجماهير تحت شعارات الانتقام واستعادة ما يسمى بـ “الكرامة” الوطنية، تماماً كما فعل هتلر.
أمام هذا المشهد التاريخي، يقف العالم اليوم وهو يراقب وثيقة التفاهم الجديدة الموقعة في ذات القصر. والدرس المصيري الذي يجب على القادة والسياسيين استحضاره الآن هو: ألا تتحول “فرساي” الجديدة إلى نسخة مكررة تنتج الضغائن ذاتها. فالوعي التاريخي يفرض على القوى الدولية صياغة تفاهمات تقوم على التوازن والاحترام والمصالح المشتركة، والحرص على أن يكون الهدف هو الاستقرار الإقليمي المستدام، بدلاً من سياسات الإملاءات المذلة التي لا تولد إلا الانفجار. فعلينا أن نضمن جميعاً ألا تترك هذه الاتفاقية وراءها “بذوراً كامنة” يمكن لتيارات متطرفة في المستقبل أن تستغلها لتحشيد الشعوب نحو صراع جديد.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن مدرسة التاريخ تخبرنا بأن السلام الذي يُبنى على إذلال طرف أو محاصرته في الزاوية هو مجرد “هدنة مؤقتة” لحرب قادمة. والحرص كل الحرص اليوم، ونحن نرقب تفاهمات قصر فرساي، على أن نكون قد تعلمنا الدرس جيداً؛ فلا نريد لـ “فرساي ثانية” أن تمهد الطريق بالضرورة لسيناريو مرعب يفضي إلى حرب عالمية ثالثة. لقد حان الوقت لتثبت البشرية أنها قادرة على التعلم من مدرستها الأكبر، وأن السلام الحقيقي يُصنع بالتوازن لا بالقهر.

أضف تعليق