من بين أكثر الاتهامات شيوعًا في العصر الحديث ذلك الاتهام الذي يحمّل الدين مسؤولية الحروب والاضطهاد والانقسامات والصراعات التي عرفتها البشرية عبر تاريخها الطويل. فكثيرًا ما يُقال إن الدين كان سببًا لسفك الدماء، وإنه أشعل الحروب بين الشعوب، وعمّق الانقسامات بين البشر، ونشر التعصب والكراهية، وأعاق التقدم الإنساني. وقد أصبحت هذه الفكرة من فرط تكرارها تبدو لكثيرين وكأنها حقيقة بديهية لا تحتاج إلى مراجعة. غير أن التأمل العميق في طبيعة الظاهرة الدينية يكشف أننا قد نكون أمام واحدة من أكبر حالات الخلط المفاهيمي في تاريخ الفكر الإنساني. فالذين يوجهون أصابع الاتهام إلى الدين يقعون غالبًا في خطأ جوهري يتمثل في الخلط بين الدين بوصفه معطى إلهيًا، وبين التدين بوصفه ممارسة بشرية.
وهذا التمييز ليس تفصيلًا ثانويًا، بل هو مفتاح أساسي لفهم القضية كلها. فالدين، بوصفه وحيًا إلهيًا أو رسالة سماوية، يمثل المعنى الذي أراده الله وأراد تبليغه إلى البشر. أما التدين فهو الكيفية التي يفهم بها الإنسان هذا المعنى، والطريقة التي يترجمه بها إلى معتقدات ومواقف وسلوكيات وممارسات. وبعبارة أخرى، فإن الدين شيء، وتمثّل الإنسان للدين شيء آخر.
وهنا تبرز أهمية مفهوم فائض التمثّل. فالإنسان، كما تكشف الظاهرة الإنسانية في مختلف تجلياتها، لا يتعامل مع الواقع مباشرة، وإنما يتعامل مع تمثلاته الخاصة للواقع. فهو لا يعيش الأشياء كما هي، بل كما يتصورها ويفسرها ويتخيلها. وهذه القاعدة لا تستثني الدين نفسه. فالمتدين لا يتعامل عادة مع الدين الإلهي الخالص في صورته المطلقة، بل مع الصورة التي تشكلت عنه داخل وعيه، أي انه يتعامل مع تمثله الخاص للدين. ومن هنا تبدأ المشكلة. فبقدر ما يكون هذا التمثّل قريبًا من حقيقة الدين، يقترب التدين من مقاصد الدين وجوهره. وبقدر ما يبتعد هذا التمثّل عن الحقيقة، يتحول التدين إلى شيء مختلف تمامًا عن الدين الذي يزعم الانتساب إليه. وعند هذه النقطة يصبح الإنسان قادرًا على ارتكاب أبشع الأفعال باسم الدين، بينما يكون في الحقيقة خاضعًا لتمثله الشخصي للدين وليس للدين نفسه.
ولهذا فإن التاريخ لا يقدم لنا أمثلة على أديان تقتل الناس، بل يقدم لنا أمثلة على بشر يقتلون الناس وهم يعتقدون أنهم ينفذون إرادة الدين. والفارق بين الأمرين هائل. فالسلاح الذي يطلق الرصاصة ليس هو الفكرة الإلهية ذاتها، وإنما التأويل البشري لهذه الفكرة. والاضطهاد لا ينشأ من الوحي نفسه، بل من الطريقة التي فهم بها بعض البشر ذلك الوحي. والتمييز بين الناس لا يصدر عن الدين بوصفه حقيقة إلهية، بل عن تمثلات بشرية قد تكون مشبعة بالمصالح والأهواء والعصبيات والمخاوف والطموحات.
إن المتدين الذي يفرض معتقده بالقوة لا يفرض الدين بالضرورة، بل يفرض فهمه الخاص للدين. والذي يضطهد الآخرين لا يطبق بالضرورة إرادة الله، بل قد يكون خاضعًا لصورته الذاتية عن إرادة الله. والذي يميز بين البشر على أساس العرق أو الجنس أو الطائفة أو المذهب قد لا يكون تابعًا للدين أصلًا، وإنما تابعًا لتمثلات بشرية تسربت إلى وعيه ثم ارتدت لبوس الدين.
وهنا يظهر معيار ذو دلالة بالغة. فكل تمثل ديني يدفع صاحبه إلى الظلم يحتاج إلى مراجعة. وكل تمثل ديني يدفع إلى الكراهية يحتاج إلى مراجعة. وكل تمثل ديني يجعل الإنسان يستبيح حقوق الآخرين أو كرامتهم أو حياتهم يحتاج إلى مراجعة. لأن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: ماذا يظن هذا المتدين أن الدين يقول؟ بل: هل ما يظنه هذا المتدين منسجم فعلًا مع حقيقة الدين وجوهر رسالته؟
إن عملية التبين هذه تمثل واحدة من أعظم المسؤوليات التي تقع على عاتق الإنسان المؤمن. فالمطلوب ليس مجرد اتباع التمثلات الموروثة أو الشائعة، بل عرض هذه التمثلات باستمرار على الدين نفسه. فإذا اكتشف الإنسان أن تمثله الخاص يدفعه إلى التعصب والعدوان والظلم، فعليه أن يشك في تمثله قبل أن يشك في الدين. أما إذا كان تمثله منسجمًا حقًا مع المقصد الإلهي، فإنه لن يدفعه إلى قهر الآخرين ولا إلى إذلالهم ولا إلى مصادرة حرياتهم ولا إلى معاملتهم بوصفهم أقل قيمة أو أقل استحقاقًا للمعاملة بإحسان.
وعند هذه النقطة فقط تتكشف الحقيقة التي تعرضت لقدر كبير من التعتيم عبر التاريخ. فالدين، بوصفه معطى إلهيًا، لا يمكن أن يكون مسؤولًا عن الحروب والفظائع والاضطهاد والفساد في الأرض. أما المسؤول الحقيقي فهو التدين الخاطئ؛ أي ذلك التمثل البشري المشوّه الذي يظن نفسه دينًا بينما لا يكون في كثير من الأحيان سوى انعكاس لفائض التمثّل الذي يطبع التجربة الإنسانية كلها.
وبهذا المعنى فإن كثيرًا من الاتهامات التي وُجهت إلى الدين عبر العصور لم تكن في حقيقتها اتهامات للدين نفسه، بل كانت اتهامات مشروعة لأشكال من التدين المنحرف التي نجحت في أن تخلط بين الوحي الإلهي وتمثلات البشر لهذا الوحي. وما لم يتم الفصل بين الدين والتدين، وبين الحقيقة الإلهية وتمثلات الإنسان لها، سيبقى الدين متهمًا بجرائم لم يرتكبها، وسيبقى الإنسان عاجزًا عن رؤية المصدر الحقيقي للمشكلة؛ ذلك المصدر الكامن في فائض التمثّل الذي يجعل البشر كثيرًا ما يتبعون صورهم الذهنية عن الحقيقة بدلًا من أن يتبعوا الحقيقة نفسها..

أضف تعليق