
من بين أكثر السمات التي تميز السلوك الإنساني عن السلوك الطبيعي للكائنات الحية الأخرى، تبرز ظاهرة المبالغة في تقدير التحديات والفرص والمخاطر بوصفها واحدة من أكثر الظواهر التصاقًا بالحياة البشرية. فالإنسان لا يتعامل مع الأشياء كما هي، بل يتعامل معها كما يتخيلها وكما يتمثلها وكما يضفي عليها من معانٍ وصور واحتمالات. وهنا تحديدًا يظهر أحد أكثر آثار فائض التمثّل عمقًا وخطورة؛ إذ لم يعد الإنسان قادرًا دائمًا على تقييم ما يواجهه وفق حجمه الحقيقي، بل أصبح يميل إلى تضخيم الظواهر وإكسابها أبعادًا تتجاوز أكثر مما تقتضيه طبيعتها الفعلية.
وفي المقابل، يبدو عالم الطبيعة وكأنه قائم على مبدأ معاكس تمامًا. فالكائنات الحية لا تمتلك موارد غير محدودة. والطاقة التي تنفقها في أي فعل هي مورد ثمين لا يجوز تبديده. ولهذا فإن الانتخاب الطبيعي عبر ملايين السنين عمل على بناء آليات دقيقة تجعل الكائن الحي يقدّر الموقف بقدر معقول من الدقة، بحيث لا ينفق من الجهد أكثر مما تستلزمه الحاجة الفعلية. فالحيوان لا يفر من ظل ورقة ظانًا أنه مفترس، ولا يشن هجومًا شاملاً على خطر محدود، ولا يحشد من الموارد ما يفوق بكثير ما تقتضيه المواجهة. ذلك أن المبالغة في عالم الطبيعة ليست مجرد خطأ معرفي، بل هي هدر مباشر للموارد وفرصة أكبر للفشل في مواجهة تحديات لاحقة. فالطبيعة لا تكافئ الإفراط. والطبيعة لا تموّل الأوهام. والطبيعة لا تسمح للكائنات بأن تضيف إلى الوقائع أحجامًا لا تملكها أصلًا. وكل إنفاق زائد هو خصم من رصيد البقاء. غير أن الإنسان خرج، بدرجات متفاوتة، عن هذا الاقتصاد الصارم. فحين يواجه الإنسان خطرًا ما لا يكتفي غالبًا بتقدير الخطر نفسه، بل يضيف إليه سلسلة لا تنتهي من التصورات والاحتمالات والتوقعات والمخاوف. وقد يكون التحدي محدودًا، لكن تمثله الذهني يتحول إلى كارثة كبرى. وقد تكون العقبة صغيرة، لكن الخيال يجعلها جبلًا شاهقًا. وقد يكون الهدف قريب المنال، لكن المبالغة في تصور صعوبته تجعل الوصول إليه يبدو مستحيلاً. وهذا ما نراه يوميًا في حياة البشر. فالطالب قد يحوّل امتحانًا عاديًا إلى معركة مصيرية تتوقف عليها حياته كلها. ورجل الأعمال قد يرى في خسارة محدودة بداية لانهيار شامل. والمريض قد يفسر عرضًا عابرًا بوصفه مؤشرًا إلى مرض قاتل. وفي كل هذه الحالات لا يكون الإنسان ضحية الواقع بقدر ما يكون ضحية تمثله للواقع. ومن هنا يمكن فهم حجم الاستنزاف النفسي والعصبي الذي يرافق الحياة البشرية. فالإنسان لا يستهلك موارده في مواجهة الوقائع فحسب، بل يستهلك جزءًا كبيرًا منها في مواجهة صور ذهنية أنتجها بنفسه. وكثيرًا ما يكون العبء الذي يفرضه التمثل أكبر من العبء الذي يفرضه الواقع ذاته.
ولعل الحب بين الرجل والمرأة يمثل أحد أوضح الأمثلة على هذه الظاهرة. فالحب البشري لا يقوم غالبًا على إدراك موضوعي للطرف الآخر بقدر ما يقوم على بناء صورة رمزية عنه. فالإنسان العاشق لا يرى الآخر كما هو، بل كما يتخيله؛ إذ أنه يضيف إليه صفات غير موجودة، ويضخم مزاياه، ويتجاهل عيوبه، ويمنحه مكانة تتجاوز كثيرًا ما تسمح به المعطيات الواقعية.
ولهذا كثيرًا ما تبدأ العلاقات العاطفية بطاقة انفعالية هائلة لا تتناسب مع حقيقة المعرفة المتبادلة بين الطرفين. فالمشاعر تنفق موارد عاطفية وعصبية ضخمة استنادًا إلى صورة ذهنية أكثر من استنادها إلى واقع ملموس. ثم ما تلبث هذه الصورة أن تتآكل مع الزمن حين يبدأ الواقع بفرض نفسه. وعندها يشعر كثير من الناس أنهم تعرضوا للخداع، بينما لم يكن الخداع في كثير من الأحيان صادرًا عن الطرف الآخر بقدر ما كان صادرًا عن فائض التمثل نفسه.
إن الإنسان لا يقع في حب الشخص فحسب، بل يقع في حب الصورة التي رسمها له خياله عن ذلك الشخص.
وينسحب الأمر ذاته على المجال السياسي والعسكري. فالتاريخ البشري مليء بأمثلة تكشف كيف قاد سوء تقدير الواقع إلى هدر هائل للموارد بسبب تضخم التمثلات. فحين يعجز الإنسان عن رؤية الخصم بحجمه الحقيقي، فإنه يصبح عرضة للمبالغة في رد الفعل أو للمبالغة في الثقة بالنفس، وكلاهما يؤدي إلى نتائج كارثية. فقد تلجأ دولة عظمى إلى استخدام قوة مفرطة لا تتناسب مع طبيعة التهديد الذي تواجهه، فتستهلك من مواردها ما يفوق كثيرًا العائد الاستراتيجي المتوقع. وقد يندفع قائد سياسي إلى فتح جبهات متعددة في وقت واحد لأنه يتصور قدراته أكبر مما هي عليه. وقد يجري استعداء خصوم لم يكونوا أصلًا جزءًا من الصراع، لا لشيء إلا لأن الخيال السياسي ضخم المخاطر أو ضخّم فرص النجاح.
ويكفي أن نتأمل عدد الحروب التي بدأت نتيجة سوء تقدير متبادل بين الأطراف المتصارعة. فكم من قائد تصور أن الحرب ستكون قصيرة فإذا بها تمتد سنوات طويلة؟ وكم من إمبراطورية اعتقدت أن خصمها ضعيف فإذا بها تغرق في مستنقع استنزاف لم تتوقعه؟ وكم من قوة عسكرية أنفقت من الموارد ما يفوق بكثير ما كانت تتطلبه أهدافها الأصلية؟ وفي جميع هذه الحالات يتكرر النمط نفسه: الواقع محدود، لكن التمثل يتضخم.
ومن منظور فائض التمثّل يمكن القول إن الإنسان أصبح الكائن البايولوجي الوحيد الذي يستطيع أن يخسر بسبب الطريقة التي يتخيل بها التحدي أكثر مما يخسر بسبب التحدي نفسه. فالمشكلة لا تعود كامنة في الظاهرة الخارجية وحدها، بل في الصورة التي يبنيها العقل عنها. وكلما ازداد اتساع العالم الرمزي الذي يعيش فيه الإنسان، ازدادت احتمالات ابتعاده عن التقدير الاقتصادي الرشيد الذي يحكم عالم الطبيعة.
وهكذا يظهر لنا أن أحد الأثمان الكبرى التي دفعها الإنسان مقابل خروجه من الاقتصاد الطبيعي للسلوك هو فقدان القدرة على الالتزام الصارم بحجم الوقائع كما هي. فقد أصبح الإنسان يعيش في عالم تمتلئ فيه الأشياء بأحجام إضافية لا يمنحها الواقع نفسه، بل يمنحها لها فائض التمثّل. ومن هنا لم يعد الهدر مقتصرًا على المال أو الطاقة أو السلاح، بل أصبح يشمل المشاعر والآمال والمخاوف والتوقعات والأعمار نفسها. ولعل أحد أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من ذلك كله هو أن كثيرًا من معاناة الإنسان لا تنشأ من ضخامة التحديات التي يواجهها، بل من ضخامة الصور التي يصنعها عنها. فالواقع كثيرًا ما يكون أصغر مما نتصور، لكن فائض التمثّل يصر على أن يجعله أكبر.
