المستوى القادم للبايولوجيا التطورية… من إثبات القرابة إلى تفسير القطيعة

من الصعب إنكار الأثر الهائل الذي أحدثه المشروع التطوري الذي ابتدأه تشارلز داروين قبل أكثر من قرن ونصف. فقد نجح هذا المشروع في إعادة رسم صورة الحياة على الأرض، وربط الكائنات الحية جميعًا بشبكة واسعة من علاقات القربى والتاريخ المشترك. وعلى امتداد عقود طويلة من البحث المتواصل، استطاعت البايولوجيا التطورية أن تجمع كمًا هائلًا من الأدلة الجينية والتشريحية والسلوكية والأحفورية التي تؤكد أن الإنسان ليس كائنًا معزولًا عن بقية أشكال الحياة، بل جزء من شجرة حيوية كبرى تتشارك جميع فروعها في أصول بعيدة وقريبة بدرجات متفاوتة.
واليوم لم يعد الحديث عن وجود وشائج قربى بين الإنسان والكائنات البايولوجية الأخرى قضية خلافية داخل المؤسسة العلمية. فالأرقام أصبحت معروفة للجميع. فالإنسان يتشارك مع الشمبانزي بما يقارب 98 أو 99 بالمئة من مادته الوراثية، ويتشارك مع بقية الكائنات بنسب متفاوتة تقل أو تزيد بحسب درجة القرب التطوري. وقد أمضت أجيال متعاقبة من الباحثين عشرات السنين في تعزيز هذه الصورة وترسيخها وتفصيلها. غير أن سؤالًا معرفيًا ذا دلالة بالغة يفرض نفسه اليوم بإلحاح متزايد: ماذا بعد؟ فبعد أكثر من سبعين عامًا من الثورة الجينية الحديثة، وبعد آلاف الدراسات وملايين الساعات من العمل البحثي، ما الجديد الجوهري الذي أضافته هذه الجهود إلى الصورة الكبرى؟ أليست معظم هذه الأبحاث تنتهي في كل مرة تقريبًا إلى النتيجة ذاتها التي سبق إثباتها مئات بل آلاف المرات، وهي أن الإنسان قريب بيولوجيًا من بقية الكائنات الحية؟ فالمشكلة لا تكمن في خطأ هذه النتائج، بل في تحوّلها إلى مركز جاذبية استقطب الجزء الأكبر من الاهتمام العلمي، حتى أصبح المشروع التطوري يدور حول نفسه في حلقة معرفية مغلقة. فكلما اكتشف العلماء دليلاً جديدًا على القرابة، احتُفل به باعتباره إنجازًا جديدًا، رغم أنه لا يضيف في كثير من الأحيان سوى تأكيد إضافي لما أصبح معروفًا أصلًا.
وهنا يبرز السؤال الذي طال تجاهله: لماذا انشغلنا إلى هذا الحد بدراسة أوجه التشابه، بينما أهملنا بدرجة لافتة أوجه الاختلاف؟ فكما أن هناك تواشجًا قائمًا بين الإنسان والكائنات الأخرى، فإن هناك أيضًا تناشزاً هائلاً بينها وبينه. وكما أن إنكار القرابة البيولوجية بين الإنسان والحيوان يُعد موقفًا غير علمي، فإن تجاهل الفروق النوعية العميقة بينهما لا يقل افتقارًا إلى روح المنهج العلمي. فالإنسان لا يتميز عن الحيوان بفارق بسيط يمكن اختزاله في زيادة كمية في الذكاء أو التعقيد العصبي فحسب. بل نحن أمام منظومة كاملة من الظواهر التي لا نجد لها نظيرًا حقيقيًا في عالم الطبيعة المعروف. فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يبني الحضارات، ويبتكر الفلسفات، ويصوغ القوانين، ويعيش داخل أنظمة رمزية هائلة التعقيد. وهو الكائن البايولوجي الوحيد الذي يبحث عن معنى وجوده، ويخاف المستقبل البعيد، ويكتب الشعر، ويؤلف الموسيقى، ويضحي بحياته من أجل أفكار مجردة، ويقتل أحيانًا من أجل رموز لا وجود ماديًا لها. بل إن عالم الإنسان بأسره يبدو وكأنه قد انفصل تدريجيًا عن الاقتصاد السلوكي الذي يحكم بقية الكائنات الحية. ففي حين تخضع الطبيعة لمنطق صارم يقوم على ترشيد الإنفاق الطاقي وتحقيق المنافع التطورية المباشرة، نجد الإنسان ينفق موارد هائلة في نشاطات لا يمكن ردّها بسهولة إلى هذا المنطق التقليدي. ومن هنا يبدو أن المشروع التطوري قد بلغ مرحلة تستدعي إعادة توجيه بوصلته البحثية. فلقد آن الأوان للانتقال من مرحلة إثبات الاستمرارية إلى مرحلة تفسير الانقطاع. آن الأوان لأن يتحول السؤال المركزي من: كيف يشبه الإنسان الحيوان؟ إلى: كيف أصبح مختلفًا عنه إلى هذا الحد؟ فإذا كانت البايولوجيا التطورية قد نجحت نجاحًا كبيرًا في الكشف عن الخيوط التي تصل الإنسان بماضيه الحيوي، فإن المهمة التالية تتمثل في فهم تلك اللحظات أو التحولات أو الانعطافات التي جعلت هذا الماضي ينتج ظاهرة تبدو، في كثير من جوانبها، مختلفة نوعيًا عما سبقها.
إن التقدم العلمي الحقيقي لا يتحقق بتكرار الإجابات ذاتها، بل يتحقق بالانتقال إلى الأسئلة التي لم تُطرح بعد. وما لم تلتفت البايولوجيا التطورية إلى دراسة التناشزات الكبرى بين الإنسان وبقية الكائنات البايولوجية، فإنها ستبقى حبيسة نصف الحقيقة فقط. فالإنسان يحمل في داخله وجهين متلازمين: وجهًا ينتمي إلى التاريخ الحيوي المشترك مع سائر الكائنات البايولوجية، ووجهًا آخر يبدو وكأنه تجاوز ذلك التاريخ أو انحرف عنه أو انبثق منه بطريقة لم نفهمها بعد.
ولعل المستوى القادم من الأبحاث في مجال البايولوجيا التطورية لن يكون إضافة دليل جديد على القرابة بين الانسان والحيوان، بل البحث الجاد في طبيعة القطيعة الوجودية بينهما. فهناك، عند تلك المنطقة الفاصلة بين الاستمرارية والانفصال، وبين التشابه والاختلاف، وبين الحيوان والإنسان، قد تكمن واحدة من أعظم القضايا المعرفية التي لا تزال تنتظر من يجرؤ على طرحها بجدية. وربما لن يكون السؤال الأكبر في القرن الحادي والعشرين هو كيف تطور الإنسان، بل كيف أصبح إنسانًا أصلًا.

أضف تعليق