لماذا تعجز البايولوجيا التطورية بصيغتها الحالية عن تفسير الظاهرة الإنسانية؟

من بين أعظم الإنجازات الفكرية في العصر الحديث، لاشك أن النظرية التطورية تحتل مكانة مركزية. إذ أنها قدمت إطارًا بالغ القوة لفهم التنوع الحيوي، وفسرت كثيرًا من أوجه التشابه والاختلاف بين الكائنات الحية، وربطت تاريخ الحياة بسلسلة طويلة من التحولات المتراكمة عبر الزمن. وبفضلها أصبح من الممكن فهم عدد هائل من الظواهر البيولوجية التي كانت تبدو غامضة أو منفصلة عن بعضها البعض. غير أن النجاح المحدود لهذه النظرية في تفسير جسم الانسان لا يعني بالضرورة نجاحها في تفسير الإنسان كله.
وهنا تبدأ المشكلة التي كثيرًا ما جرى تجاهلها. فحين نتحدث عن الإنسان، فإننا لا نتحدث عن هيكل عظمي أو جهاز عصبي أو خريطة جينية فحسب. فنحن نتحدث عن كائن ينتج الفلسفة والفن والأخلاق والقانون والعلوم واللغات والحضارات والأساطير والأيديولوجيات. ونتحدث كذلك عن كائن يعاني من القلق الوجودي، ويبحث عن المعنى، ويخاف من العدم، ويحلم بالخلود، ويضحي بحياته من أجل رموز لا وجود مادّيًا لها.
ومن هنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاهله: هل تكفي الأدوات التي تفسر تطور الجسم البشري لتفسير هذا العالم الهائل من الظواهر الإنسانية؟ إن الجواب السائد غالبًا هو نعم. لكن التأمل الدقيق يكشف أن هذا الجواب يعتمد على افتراض أكثر مما يعتمد على البرهنة. فلا أحد يجادل في أن الدماغ البشري تطور ضمن سياق حيوي. لكن السؤال الحقيقي ليس كيف تطور الدماغ، بل كيف نشأت من داخله كل هذه الظواهر التي تبدو متجاوزة لمنطق الاقتصاد الحيوي ذاته. فالحيوان يحتاج إلى الغذاء. أما الإنسان فيحتاج إلى المعنى. والحيوان يدافع عن حياته. أما الإنسان فقد يضحي بحياته دفاعًا عن فكرة. الحيوان يعيش داخل الحاضر. أما الإنسان فيعيش داخل الماضي والمستقبل والخيال والرموز. وهذه ليست فروقًا كمية بسيطة؛ حيث أنها تبدو أقرب إلى انتقال من نمط وجود إلى نمط وجود آخر. ومن هنا يمكن القول إن داروين قد نجح إلى حد بعيد في تفسير كيف أصبح الإنسان كائنًا حيًا كما هو، لكنه لم يقدم بالضرورة تفسيرًا مكتملًا لكيف أصبح هذا الكائن إنسانًا بالمعنى الذي نعرفه اليوم. فالنظرية التطورية تفسر العظام لكنها لا تفسر بسهولة ظهور سؤال المعنى. وتفسر الجهاز العصبي لكنها لا تفسر بسهولة لماذا يشعر الإنسان بالحنين إلى الخلود. وتفسر القدرة على التواصل لكنها لا تفسر بسهولة لماذا تحولت اللغة إلى فلسفة وشعر. فهنالك، على ما يبدو، فجوة بين تفسير الأداة وتفسير ما تفعله الأداة. وهذه الفجوة ذاتها هي التي تحاول هذه السلسلة من المقالات لفت الانتباه إليها. ومن هنا يبرز مفهوم فائض التمثّل بوصفه محاولة لسد هذه الفجوة. فالإنسان لا يبدو مختلفًا عن الحيوان لأنه يمتلك دماغًا أكبر فحسب، بل لأنه أصبح يعيش داخل عالم تمثّلي لا حدود واضحة له. فالإنسان لا يرى الواقع فحسب، بل يرى صورته عن الواقع. ولا يعيش التجربة فقط، بل يعيش تفسيره للتجربة. ولا يتعامل مع الأشياء كما هي، بل كما يتخيلها ويؤوّلها ويحمّلها من المعاني ما قد يتجاوز وجودها الفعلي. وهذا ما يجعل الإنسان ظاهرة يصعب اختزالها إلى معادلة بيولوجية خالصة. ولعلّ إحدى أكبر المشكلات في الفكر الحديث هي أن النجاح المذهل للعلوم الطبيعية دفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن كل سؤال يجب أن يجد جوابه داخل النموذج نفسه. لكن تاريخ العلم يعلمنا العكس، فالنماذج الكبرى لا تُهدم عادة لأنها خاطئة بالكامل، بل لأنها غير كافية. فميكانيكا نيوتن لم تُلغَ عندما ظهرت النسبية، بل وُضعت داخل إطار أوسع. والفيزياء الكلاسيكية لم تُمحَ عندما ظهرت فيزياء الكم، بل أُعيد تحديد مجال صلاحيتها. وربما يكون الأمر نفسه مطلوبًا عند التفكير في الإنسان. فالمطلوب ليس تجاوز التطور، بل تجاوزه إلى مستوى أوسع من الفهم؛ وهو مستوى يأخذ في الاعتبار أن الإنسان لا يمثل ظاهرة بيولوجية فحسب، بل يمثل ظاهرة معرفية وأنثروبولوجية ونفسية وروحية وحضارية في آن واحد.
ومن هنا تبدو الحاجة ملحّة إلى نظرية قادرة على تفسير “الانفجار التمثّلي العظيم” الذي أدى الى ظهور الظاهرة الإنسانية كما نعرفها؛ نظرية لا تكتفي بالإجابة عن سؤال: كيف تطور جسم الإنسان؟ بل تسأل أيضًا: كيف نشأ المعنى؟ وكيف نشأت الهوية؟ وكيف نشأ الدين؟ وكيف نشأت اللغة الرمزية؟ وكيف نشأت الحاجة إلى الخلود؟ وكيف أصبح الإنسان الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يعاني بسبب فكرة؟ إن هذه الأسئلة لا تقع خارج العلم، بل تقع في قلب أكبر ألغاز العلم المتعلقة بالإنسان.
وهنا تكتسب السردية القرآنية عن آدم والشجرة دلالة بالغة. فإذا كانت القراءة التقليدية ترى فيها قصة دينية عن الطاعة والعصيان، فإن القراءة الميتابايولوجية تراها وصفًا للحظة انتقال كبرى في طبيعة الوعي؛ لحظة أصبح فيها الإنسان كائنًا تمثّليًا. أي الكائن الذي لم يعد يعيش داخل العالم فقط، بل داخل تصوره للعالم. ومن هذه اللحظة، وفق هذا التصور، بدأت جميع الظواهر التي نحاول تفسيرها اليوم: الفلسفة، والحضارة، والأخلاق، والبحث عن المعنى، والقلق الوجودي. أي أن الشجرة لا تمثل مجرد حدث في الماضي، بل تمثل لحظة ميلاد الإنسان بوصفه كائنًا رمزيًا. ومن هنا فإن “ما بعد داروين” لا يعني رفض داروين، بل يعني الاعتراف بأن تفسير الإنسان قد يحتاج إلى خطوة إضافية؛ خطوة تنتقل من تفسير الكائن الحي إلى تفسير الكائن المتمثّل. ومن دراسة الجسم البشري إلى دراسة الانفجار الرمزي الذي جعل الإنسان مختلفًا إلى هذا الحد.
وهكذا فإن السؤال الحقيقي لا يعود: هل تطور الإنسان؟ بل: هل يكفي تفسير تطور الإنسان بيولوجيًا لفهم الإنسان فعلًا؟ أم أن هناك طبقة أخرى من الوجود الإنساني لا تزال تنتظر النظرية القادرة على كشفها؟
لأن الإجابة عن هذا السؤال قد تكون بداية الطريق نحو فهم أكثر شمولًا للإنسان، ليس بوصفه آخر حلقات التطور الحيوي فحسب، بل بوصفه أعظم لغزٍ أنتجه ذلك التطور نفسه.

أضف تعليق