بين القرآن وفائض التمثّل… كيف تكشف التأويلات البشرية عن نفسها؟

من بين أكثر القضايا التي أثارت الجدل عبر التاريخ الديني سؤال العلاقة بين النص المقدس وبين ما ينتجه البشر من تفسيرات وتأويلات وشروح ومرويات حوله. فكثيرًا ما يجري التعامل مع هذه المستويات المختلفة وكأنها شيء واحد، حتى يصبح من الصعب أحيانًا التمييز بين ما يقوله النص فعلًا وبين ما أضافه الإنسان إليه عبر قرون طويلة من القراءة والتأويل والتخيل. غير أن ثمة معيارًا يمكن أن يساعد في إعادة رسم هذا الحد الفاصل بوضوح أكبر، وهو معيار فائض التمثّل. فإذا كان فائض التمثّل هو السمة الأكثر التصاقًا بالعقل الإنساني، فإن من الطبيعي أن يترك بصماته على كل ما ينتجه الإنسان، بما في ذلك فهمه للدين نفسه. فالإنسان لا يكتفي عادة باستقبال المعنى كما هو، بل يميل إلى توسيعه وتضخيمه وإحاطته بطبقات إضافية من الصور والتصورات والافتراضات والاحتمالات. وهو لا يكتفي بالنص، بل يسعى دائمًا إلى ملء الفراغات التي يتركها النص، وإضافة تفاصيل لم يذكرها، وربط معانٍ لم يربطها، وبناء سرديات كاملة حول إشارات مقتضبة أو أحداث محدودة.
وهنا تبرز خصوصية القرآن العظيم بوصفه نصًا يختلف بصورة لافتة عن كل ما أنتجه الإنسان عبر التاريخ. فالقرآن يتميز بدرجة استثنائية من الاقتصاد في السرد والانضباط في المعنى. فهو لا يطيل حيث لا حاجة للإطالة، ولا يفيض بالتفاصيل التي لا تنسجم مع أسلوبه القائم على الاقتصاد في التعبير. ولا ينشغل بوصف ما لا يترتب عليه أثر عملي أو معرفي، بل أن القارئ كثيرًا ما يفاجأ بأن النص يتجاوز أسئلة تبدو للذهن البشري شديدة الإغراء. فهو يذكر الحدث دون أن يغرق في تفاصيله، ويذكر الشخصية دون أن يسترسل في سيرتها، ويذكر القصة دون أن يحولها إلى رواية مكتملة العناصر. ولعل قصة آدم نفسها تقدم مثالًا بالغ الدلالة على ذلك، فالقرآن يذكر الشجرة ولا يحدد نوعها، ويذكر إبليس ولا يشرح تفاصيل نشأته، ويذكر الجنة التي أُخرج منها آدم ولا يقدم أوصافًا تفصيلية لطبيعتها المادية، ويذكر الحوار والأحداث ضمن الحدود التي تحقق المقصد المقصود. أما الذهن البشري فلم يلبث أن بدأ بملء هذه الفراغات، ما نوع الشجرة؟ أين كانت الجنة؟ كيف كانت هيئة آدم؟ ماذا حدث بالتفصيل في كل مرحلة؟ ومن هنا بدأت طبقات متراكمة من الروايات والتخمينات والتصورات التي تضخمت عبر الزمن حتى أصبحت لدى كثيرين جزءًا من الدين نفسه، رغم أنها لا تنتمي إلى النص القرآني. والأمر لا يقتصر على القصص القرآني وحده، فالتاريخ الديني بأكمله يكشف نزعة بشرية مستمرة لإنتاج فائض من المعاني يتجاوز حدود النص الإلهي. فكل فرقة دينية تقريبًا بَنَت منظومة واسعة من التأويلات والعقائد والتصورات التي تتجاوز بكثير ما ورد بصورة صريحة في القرآن العظيم. ومع مرور الزمن أصبحت هذه البنى التأويلية أكثر حضورًا في وعي الأتباع من النص القرآني نفسه، بل إن بعض الصراعات الكبرى التي ذكرها التاريخ الإسلامي لم تكن تدور حول ما يقوله القرآن العظيم مباشرة، وإنما حول ما أضافته العقول البشرية من تفسيرات وتمثلات ورؤى مذهبية.
ومن هنا يمكن النظر إلى فائض التمثّل بوصفه أداة تشخيصية مهمة. فحيثما نجد المعنى متضخمًا بصورة تفوق ما يحتمله النص القرآني، وحيثما نجد التفاصيل تتكاثر دون سند واضح، وحيثما نجد منظومات كاملة من التصورات تُبنى على إشارات محدودة أو احتمالات ظنية، فإننا نكون عندها أمام أثر من آثار العقل البشري لا أمام النص الإلهي نفسه. وهذا لا يعني أن التأويل في ذاته خطأ، أو أن فهم النص الإلهي يمكن أن يتم بلا اجتهاد بشري. فالتأويل ضرورة لا غنى عنها. غير أن المشكلة تبدأ عندما يفقد الإنسان القدرة على التمييز بين النص وتأويله، وبين الوحي وتمثله الشخصي للوحي. فعند هذه النقطة يتحول التأويل من أداة لفهم النص إلى سلطة تنافس النص نفسه، بل وقد تحجبه أحيانًا خلف طبقات كثيفة من المعاني المضافة. ومن هذه الزاوية يمكن القول إن القرآن يقدم نفسه بوصفه النص الأقل تأثراً بفائض التمثّل، بينما تقدم كثير من الفرق والتوجهات التدينية نفسها بوصفها الساحة التي يظهر فيها هذا الفائض بأوضح صوره. فكلما اقتربنا من النص وجدنا بساطة وانضباطًا واقتصادًا في المعنى، وكلما ابتعدنا عنه وجدنا تضخمًا متزايدًا في السرديات والتفاصيل والتأويلات.
ولعل هذا هو أحد أهم المعايير التي يمكن أن تساعد في إعادة التمييز بين الدين والتدين. فالدين، بوصفه وحيًا إلهيًا، يبقى في حدود ما أنزل الله. أما التدين، بوصفه ممارسة بشرية، فإنه يظل معرضًا على الدوام لتأثير فائض التمثّل الذي يجعل الإنسان يضيف إلى النص أكثر مما قاله النص، ويحمّله أكثر مما يحتمل، ثم يتعامل مع هذه الإضافات وكأنها جزء أصيل من الوحي نفسه. وعند هذه النقطة بالذات يصبح فائض التمثّل ليس مجرد ظاهرة نفسية، بل مفتاحًا لفهم جانب كبير من تاريخ الاختلافات والانقسامات والتأويلات التي عرفتها التجربة الدينية عبر العصور.

أضف تعليق