
منذ أكثر من قرن ونصف، انشغل المشروع التطوري بمحاولة الإجابة عن أحد أكبر الأسئلة في تاريخ المعرفة: كيف ظهر الإنسان؟ وقد حققت البايولوجيا التطورية نجاحات هائلة في تتبع الأصول الحيوية للإنسان، وفي كشف شبكات القرابة الجينية والتشريحية التي تربطه ببقية الكائنات الحية. وبفضل هذه الجهود أصبح من الممكن رسم صورة متماسكة نسبيًا لتاريخ الجسم البشري ومساره التطوري الطويل. غير أن سؤالًا آخر ظل قائمًا، بل ربما ازداد إلحاحًا مع مرور الزمن: كيف ظهر الوعي الإنساني بصورته التي نعرفها اليوم؟ فالوعي لا يمكن أن يوصف بأنه إدراكًا حسيًا أوليًا، فالكثير من الحيوانات تمتلك درجات مختلفة من الإدراك والشعور، بل يمكن وصف الوعي بأنه القدرة على إنتاج الفلسفة والأساطير والأخلاق واللغة الرمزية والفن والهوية والمعنى والقلق الوجودي والتأمل في الموت والخلود. فنحن هنا لا نتحدث عن الجسم البشري، بل عن الظاهرة الإنسانية ذاتها. وهنا تبدأ المعضلة، فكلما ازداد نجاح العلم في تفسير البنية البيولوجية للإنسان، بقي السؤال المتعلق بأصل هذا الانفجار الرمزي الهائل سؤالًا مفتوحًا؛ إذ كيف يمكن الانتقال من كائن يخضع لمنطق الاقتصاد الحيوي الصارم إلى كائن أصبح يعيش داخل عالم من الرموز والتأويلات والتمثّلات التي لا حد لها؟ وكيف يمكن تفسير ظهور ذلك الفيض من الظواهر التي ناقشناها عبر هذه السلسلة من المقالات كلها؟ فالقلق الوجودي والبحث عن المعنى والحضارة واللغة والكراهية العقائدية والهوية والحاجة إلى الخلود والقدرة على تحويل الأفكار إلى قوى تحرك التاريخ، كلها جميعًا تبدو وكأنها تنتمي إلى مستوى جديد من الوجود لم تعرفه الطبيعة من قبل. ومن هنا يمكن القول إن السؤال الحقيقي لم يعد: كيف ظهر الإنسان؟ بل: كيف ظهر الإنسان الواعي بذاته؟ كيف ظهر الإنسان الذي لا يكتفي بأن يعيش، بل يفكر في حياته؟ ولا يكتفي بالموت، بل يتأمل موته؟ ولا يكتفي بالواقع، بل يعيد بناءه داخل ذهنه آلاف المرات؟
وهنا تكتسب السردية القرآنية عن آدم والشجرة دلالة بالغة. فبعيدًا عن السجالات التقليدية بين الدين والعلم، يمكن النظر إلى هذه السردية بوصفها واحدة من أقدم المحاولات لتفسير التحول الذي جعل الإنسان إنسانًا. فالقرآن لا يركز في قصة آدم على تفاصيل تشريحية أو جسدية، ولا يتحدث عن تغيرات عضوية، بل يركز بصورة لافتة على تغيرات إدراكية. فبعد الأكل من الشجرة يحدث شيء جديد: ينكشف العري وتنشأ العداوة ويبدأ التكليف، وتصبح الهداية ضرورة. أي أن كل ما يبرز في السردية القرآنية هو تحولات في الوعي وليس في الجسم. وهذه ملاحظة بالغة الدلالة، لأنها توحي بأن جوهر التحول الإنساني لم يكن تحولًا بيولوجيًا صرفًا، بل تحولًا معرفيًا ووجوديًا، وكأن الشجرة تمثل، بلغة رمزية، لحظة الانتقال من الإدراك الحيوي إلى الإدراك التمثّلي؛ أي اللحظة التي ظهر فيها فائض التمثّل. ومن هنا يمكن قراءة القصة كلها بطريقة مختلفة، فبدل أن تكون الشجرة مجرد اختبار أخلاقي، يمكن النظر إليها بوصفها السبب الذي أدى إلى إعادة تشكيل البنية الإدراكية للإنسان؛ حدث جعل الإنسان يرى نفسه بطريقة جديد، ويرى العالم بطريقة جديدة ويعيش داخل طبقات من المعاني والرموز لم تكن موجودة من قبل. ومن هذه الزاوية تبدو السردية القرآنية وكأنها تحتفظ بوصف مكثف لما يمكن تسميته “ولادة الوعي الإنساني”. والمقصود هنا ليس أن النص القرآني يقدم نظرية علمية جاهزة، بل أن بنيته الرمزية قد تشير إلى أمر لم تتمكن العلوم الحديثة من تفسيره تفسيرًا كاملًا حتى الآن؛ أي لحظة الانقطاع بين الاقتصاد الحيوي وفائض التمثّل.
وهنا يبرز أمر بالغ الدلالة، فالسرديات الدينية الكبرى ليست مجرد محاولات بدائية لتفسير العالم، كما يفترض كثير من الباحثين، وهي أيضًا ليست روايات تاريخية بالمعنى الحرفي البسيط، بل أنها احتفظت، عبر اللغة الرمزية، بذاكرة بعيدة عن التحول الذي نجم عنه ظهور الظاهرة الإنسانية؛ وهي ذاكرة عن لحظة أصبح فيها الوعي عبئًا بقدر ما أصبح نعمة. وأصبح الإنسان كائنًا يعيش داخل العالم وداخل صورته عن العالم في الوقت نفسه.
ومن هنا تظهر الحاجة إلى أفق معرفي جديد؛ وهو أفق لا يضع القرآن العظيم في مواجهة البايولوجيا. ولا يضع البايولوجيا في مواجهة القرآن، بل يحاول أن يسأل: هل يمكن أن يكون كلاهما يصف جانبًا مختلفًا من الظاهرة نفسها؟ فالبيولوجيا قد تصف تاريخ الجسم البشري، أما السردية القرآنية فتصف تاريخ الوعي. والبيولوجيا قد تفسر كيف أصبح الإنسان قادرًا على التفكير، أما قصة الشجرة فتفسر ماذا حدث عندما بدأ يفكر بهذه الطريقة الجديدة.
وهنا يصبح فائض التمثّل نقطة التقاء محتملة بين المجالين. فهو يمثل، من جهة، الظاهرة المركزية التي تميز الإنسان عن بقية الكائنات، ويمثل، من جهة أخرى، التحول الذي يبدو حاضرًا ضمنيًا في السردية القرآنية. فمعظم النتائج التي ترتبت على الأكل من الشجرة تكاد تكون نتائج تمثّلية بامتياز، فالعداوة والتكليف والهداية والاختيار والمسؤولية، أي أنها جميعًا تنتمي إلى عالم الإنسان الرمزي. ومن هنا يمكن القول إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الفكر الإنساني في المستقبل هو ليس: كيف تطور الإنسان؟ فحسب، بل أيضًا: كيف وُلد الوعي الذي جعل الإنسان مختلفًا إلى هذا الحد؟ وما الذي أطلق ذلك السيل الجارف من الرموز والمعاني والتمثّلات الذي صنع الحضارة والفلسفة والأخلاق والعلوم؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال قد تمثل الخطوة التالية في فهم الإنسان. وقد تكون بداية لنظرية جديدة لا تفسر أصل الجسم البشري فحسب، بل أصل الوعي نفسه؛ وهي نظرية تفتح باب الحوار بين البايولوجيا والأنثروبولوجيا والإبستمولوجيا وسوسيولوجيا الدين والفلسفة، وربما تكشف أن قصة آدم والشجرة هي ليست مجرد قصة عن بداية الإنسان، بل عن بداية أعظم لغز عرفه الإنسان، وهو لغز الإنسان نفسه.
