المادة المجهولة… هل يمكن إعادة بناء التركيب البايو-كيميائي للسبب الذي جعل الإنسان الكائن الذي نعرفه؟

منذ أن بدأت البايولوجيا التطورية في تتبع تاريخ الإنسان، انصبّ اهتمامها بصورة أساسية على البحث عن أصول التشابه بين الإنسان وبقية الكائنات الحية، وقد نجحت نجاحًا كبيرًا في ذلك. فكل عقد جديد من البحث كان يضيف أدلة جديدة تؤكد عمق الصلات التي تربط الإنسان بسائر أشكال الحياة. غير أن هذا النجاح نفسه ألقى الضوء على مفارقة لا تقل أهمية؛ فإذا كانت وشائج القربى بهذا العمق، فمن أين جاءت كل هذه القطيعة؟ فالإنسان لا يختلف عن بقية الكائنات الحية في بعض التفاصيل الهامشية فحسب، بل يبدو وكأنه انحرف عن المسار الطبيعي للحياة في عدد هائل من الظواهر التي لا نجد لها نظيرًا واضحًا في عالم الطبيعة. فهو الكائن الوحيد الذي يخوض الحروب العقائدية، ويعاني القلق الوجودي، ويبحث عن المعنى، ويعيش داخل الأساطير والإيديولوجيات والرموز، ويُضخّم المخاطر والفرص، ويكذب، ويحسد، ويشعر بالخزي، ويعادي أبناء نوعه بدرجات غير مسبوقة، ويحوّل الجنس إلى نشاط مستقل عن التناسل، ويعيش في عالم من التمثلات يتجاوز العالم الواقعي المحسوس.
وهنا يبرز سؤال مختلف تمامًا عن السؤال التقليدي الذي تطرحه البايولوجيا التطورية. فبدلًا من أن نسأل: ما الذي يربط الإنسان بالكائنات الأخرى؟ يصبح السؤال: ما الذي فصله عنها؟
إن الفرضية التي تقترحها قصة الشجرة، ضمن هذه القراءة، لا تتحدث عن تطور تدريجي طويل الأمد، بل عن حدث نوعي مفاجئ. حدث ارتبط بتناول مادة معينة كانت محتواة في الثمرة التي أكل منها آدم وزوجه. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الطريق إلى فهم هذه المادة لا يبدأ بالبحث عنها مباشرة، بل بمحاولة إعادة بنائها من خلال آثارها؛ أي عبر ما يشبه الهندسة العكسية في مجال البايو-كيمياء.
فأي مادة يمكن أن تكون قادرة على إحداث هذا الانقلاب الوجودي الهائل؟ إن أول ما يلفت النظر هو أن آثارها المفترضة لا تقتصر على جهاز عضوي واحد، بل تمتد إلى منظومات متعددة في وقت واحد. فهي، وفق هذه القراءة، تسببت في تغيرات جلدية وشعرية، وتغيرات عصبية وسلوكية، وتغيرات مناعية، وتغيرات جنسية، بل وتغيرات معرفية وإدراكية عميقة. فالنتيجة الأولى المنسوبة إليها هي الانكشاف المفاجئ للجسم البشري وفقدان الغطاء الشعري الذي كان يؤمّن للإنسان حماية طبيعية. وهذا يعني أن المادة المفترضة لا بد أن تكون قد أثرت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في المنظومات الجينية أو الهرمونية المنظمة لنمو الشعر وتوزعه. أما النتيجة الثانية فهي انفراط عقد العدوان الطبيعي وتحوله إلى عداء مفتوح بين أفراد النوع الواحد. وهو تحول يوحي بتغير عميق في كيمياء الدماغ، وخصوصًا في الشبكات المسؤولة عن ضبط السلوك الاجتماعي والتعاطف والتعاون والانتماء الجماعي.
وتأتي بعد ذلك الظاهرة الجنسية الفريدة للإنسان. ففي الطبيعة يرتبط النشاط الجنسي غالبًا بمواسم محددة وبوظيفة تناسلية واضحة. أما الإنسان فقد أصبح يمارس الجنس على مدار العام، ويفصل في كثير من الأحيان بين الرغبة الجنسية ووظيفتها الإنجابية. وهذا يشير إلى حدوث تعديل جذري في المنظومات العصبية والهرمونية المنظمة للتناسل.
ثم نجد التأثير المحتمل في الجهاز المناعي. فالإنسان المعاصر يعيش في صراع دائم مع طيف واسع من الفيروسات والبكتيريا والطفيليات. وإذا كانت الرواية تشير إلى انتقال الإنسان من حالة مختلفة إلى الحالة الراهنة، فإن ذلك قد يعني أن المادة المفترضة أثرت أيضًا في آليات الحماية البيولوجية الأساسية للجسم.
غير أن جميع هذه الآثار، على أهميتها، تبقى ثانوية أمام الأثر الأكبر والأكثر غرابة: ظهور فائض التمثّل.
فهنا لا نتحدث عن تغير عضوي أو سلوكي فحسب، بل عن ظهور نمط جديد بالكامل من الوعي؛ وهو نمط جعل الإنسان قادرًا على إنتاج صور ذهنية تتجاوز الواقع المباشر، وعلى العيش داخل عوالم من الرموز والمعاني والتصورات والافتراضات. وهو التحول الذي ترتب عليه ظهور اللغة والأسطورة والفلسفة والإيديولوجيا والهوية والقلق الوجودي والحضارة نفسها.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى المادة المجهولة بوصفها المادة التي أعادت تشكيل العلاقة بين الدماغ والعالم. فلم يعد الإنسان يستجيب للواقع كما هو، بل أصبح يستجيب للواقع كما يتمثله.
ولعل أكثر ما يميز هذه الفرضية أنها لا تبحث عن مادة ذات تأثير موضعي محدود، بل عن مادة قادرة على إعادة برمجة عدد كبير من الأنظمة الحيوية في آن واحد. ولهذا فإن العثور عليها، إن كانت موجودة أصلًا، لن يكون مهمة تخص البايولوجيا وحدها، بل سيتطلب تعاون علم الوراثة وعلم الأعصاب وعلم المناعة وعلم الغدد الصماء والأنثروبولوجيا والعلوم المعرفية واللسانيات وعلم النفس التطوري وفلسفة العقل.
إننا لا نعرف اليوم ما إذا كانت هذه المادة قد وجدت فعلًا، ولا نعرف طبيعتها الكيميائية أو تركيبها الجزيئي. لكننا نستطيع أن نرسم ملامحها النظرية من خلال آثارها المفترضة. فكلما ازددنا فهمًا للظواهر التي تجعل الإنسان مختلفًا عن بقية الكائنات الحية، ازددنا اقترابًا من تحديد الخصائص التي ينبغي أن تمتلكها المادة التي صنعت هذا الاختلاف.
وعند تلك النقطة قد نكتشف أن السؤال الحقيقي لم يكن يومًا: كيف تطور الإنسان؟ بل كان سؤالًا آخر أكثر عمقًا وإثارة: ما الذي حدث للإنسان حتى أصبح الإنسان الذي نعرفه؟

أضف تعليق