الدين بوصفه علاجاً لفائض التمثّل… كيف يسعى الوحي إلى إعادة الإنسان إلى فطرته الأولى؟

من بين أكثر الأسئلة التي تستحق التأمل في دراسة الظاهرة الدينية سؤالٌ يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه بالغ العمق في نتائجه: لماذا يحتوي الدين على هذا العدد الكبير من الأوامر والنواهي السلوكية؟ ولماذا يولي كل هذا الاهتمام لكلمات الإنسان ومشاعره ونواياه وتصوراته عن الآخرين، وليس لأفعاله المادية وحدها؟ فلو كان المقصود من الدين مجرد تنظيم العلاقات الاجتماعية أو منع الأذى المباشر، لكان من الممكن الاكتفاء بتحريم القتل والسرقة والاعتداء الجسدي وما شابه ذلك من صور الضرر الواضحة. غير أن النصوص الدينية تذهب أبعد من ذلك بكثير. فهي لا تكتفي بتحريم العدوان الظاهر، بل تتدخل حتى في المناطق الخفية من النفس الإنسانية، فتنهى عن سوء الظن، والتجسس، والغيبة، والنميمة، والسخرية، والتنابز بالألقاب، والشماتة، والحسد، والبغضاء، والكبر، والعجب بالنفس، وسائر الحالات النفسية التي قد تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن مفهوم العدوان المباشر.
وهنا يبرز سؤال بالغ الدلالة: ما الذي يجمع بين هذه الظواهر جميعاً؟ إن الإجابة التي تقترحها نظرية فائض التمثّل هي أن جميع هذه السلوكيات تنتمي إلى أصل واحد. فهي ليست سوى مظاهر مختلفة للخضوع لسلطان فائض التمثّل الذي أصبح يحكم الإنسان منذ اللحظة التي دخل فيها طوره الوجودي الجديد بعد الأكل من الشجرة. فالإنسان لا يسيء إلى الآخرين لأنه مضطر دائماً إلى ذلك، بل لأنه يضيف إلى الواقع طبقات من المعاني والتفسيرات والافتراضات التي لا وجود لها فيه بالضرورة. فهو يتخيل النوايا، ويفترض المقاصد، ويبالغ في تقدير الإساءة، ويضخم الاختلافات، ويعيد تفسير الأحداث وفقاً لمخاوفه ورغباته وتمثلاته الخاصة. ومن هنا يبدأ العدوان الظالم. فالغيبة ليست في جوهرها سوى صورة تمثّلية للآخر يتم تداولها في غيابه، والتجسس ليس إلا سعياً وراء مادة إضافية تغذي هذه الصورة، وسوء الظن هو بناء سردية داخلية عن الآخر دون امتلاك ما يكفي من الوقائع، والسخرية تقوم على اختزال الإنسان في تمثل سلبي يُجرّد صاحبه من إنسانيته، والتنابز بالألقاب ليس إلا فرض صورة رمزية مشوهة على شخص آخر. ولهذا ليس من قبيل المصادفة أن تجمع سورة الحجرات هذه النواهي كلها في سياق واحد. فهي ترسم نموذجاً أخلاقياً متكاملاً يهدف إلى كبح الميل الإنساني إلى تحويل التمثلات الذهنية إلى عدوان على الآخرين. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾، وقال تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾. فعندما ننظر إلى هذه التوجيهات من زاوية فائض التمثّل، فإنها تبدو وكأنها تعليمات دقيقة تهدف إلى تجفيف المنابع التي يتغذى منها العدوان الظالم قبل أن يتحول إلى سلوك ظاهر.
فالدين، وفق هذه الرؤية، لا يحارب العدوان بعد وقوعه فحسب، بل يحارب البنية النفسية التي تنتجه أصلاً.
ومن هنا يمكن فهم العبادات والأخلاق الدينية بوصفها برنامجاً طويل الأمد لإعادة تشكيل الإنسان. فالمطلوب ليس مجرد الامتناع عن الأذى، بل التحرر التدريجي من الدوافع التمثّلية التي تولّده. ولهذا لا يكتفي الدين بأن يطلب من الإنسان الكف عن الإساءة، بل يطالبه أيضاً بأفعال مضادة تماماً لما يدعو إليه فائض التمثّل؛ فهو يدعو إلى العفو بدل الانتقام، وإلى الإحسان بدل المعاقبة، وإلى الصفح بدل التشفي، وإلى الرحمة بدل القسوة، وإلى كظم الغيظ بدل إطلاقه، وإلى مقابلة الإساءة بالحسنى. ولقد قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾. وهذه الآية بالذات تكشف جانباً بالغ العمق من المنهاج الإلهي؛ فهي لا تكتفي بمنع العدوان، بل تقترح سلوكاً معاكساً له تماماً. وكأن الوحي لا يريد فقط إيقاف الأثر، بل يريد تفكيك الآلية التي تنتجه من جذورها. فكل فعل إحسان تجاه من أساء إلينا يمثل ضربة مباشرة لفائض التمثّل الذي يدفعنا إلى تضخيم الإساءة، وإعادة إنتاجها، والبناء عليها، وتحويلها إلى سلسلة لا تنتهي من ردود الأفعال العدائية. ومن هنا يمكن النظر إلى الدين كله بوصفه مشروعاً لتحرير الإنسان من آثار الضرر الذي أصابه. فالتضرر الناشئ عن الأكل من الشجرة لا يزول بمجرد المعرفة النظرية، بل يحتاج إلى مسار طويل من إعادة التأهيل الوجودي والأخلاقي؛ فهو مسار يبدأ بالكف عن العدوان الظالم، ثم السيطرة على منابع هذا العدوان داخل النفس، ثم التخلص التدريجي من آثاره، وصولاً إلى حالة من الطهارة النفسية يصبح فيها الإنسان أقل خضوعاً لسلطان فائض التمثّل وأكثر قدرة على رؤية الآخرين كما هم، وليس كما تصوره له تمثلاته. وعند هذه النقطة تحديداً لا يعود الدين مجرد منظومة أوامر ونواهٍ، بل يصبح مشروعاً لإعادة الإنسان إلى قدر أكبر من الاتزان الوجودي الذي فقده، وإلى حالة من السلام الداخلي والخارجي لا يمكن بلوغها ما دام أسيراً للصور التي يصنعها عن نفسه وعن الآخرين. فغاية الدين، في نهاية المطاف، ليست منع الإنسان عن ظلم غيره فحسب، بل تحربره من ذلك الجزء من نفسه الذي لا يكف عن دفعه إلى الظلم.

أضف تعليق