
من بين أكثر الأفكار التي هيمنت على التاريخ البشري عبر عصوره المختلفة فكرة المركزية؛ أي الاعتقاد بأن جماعة بشرية معينة تحتل مركز الوجود الإنساني وتمتلك امتيازًا ذاتيًا يجعلها أرفع منزلة من غيرها. وقد اتخذت هذه المركزية أشكالًا متعددة عبر التاريخ. فتارة تجلت في صورة مركزية عرقية تجعل شعبًا معينًا أو قومية معينة أفضل من سائر البشر. وتارة ظهرت في صورة مركزية قبلية أو طبقية أو قومية. وفي أحيان أخرى اتخذت شكل مركزية جندرية تجعل أحد الجنسين أسمى بطبيعته من الجنس الآخر. وقد كانت معظم الحضارات القديمة، بل وكثير من المنظومات الفكرية اللاحقة، قائمة بدرجات متفاوتة على هذا النوع من التصورات.
غير أن المتأمل في الخطاب القرآني يجد نفسه أمام رؤية مختلفة جذريًا. فالقرآن لا يمنح أي إنسان امتيازًا وجوديًا بسبب أصله أو لونه أو لغته أو نسبه أو جنسه، بل يبدو وكأنه يقوم بعملية تفكيك منهجية لكل أشكال المركزية البشرية التي اعتاد الإنسان أن يبني عليها شعوره بالتفوق. ويظهر ذلك بأوضح صورة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13). فالآية لا تكتفي بنفي التفاضل العرقي، بل تعيد تعريف الغاية من التنوع البشري نفسه. فالشعوب والقبائل ليست مراتب تفاضل، وليست سلالم للامتياز، وإنما أدوات للتعارف والتواصل والتنظيم الاجتماعي. أما معيار الكرامة الحقيقي فلا يرتبط بأي خاصية موروثة لا دخل للإنسان في اختيارها، بل يرتبط بما يفعله الإنسان بإرادته الحرة، أي بما يكتسبه من تقوى واستقامة ومسؤولية أخلاقية.
وهنا تتجلى إحدى أكثر السمات ثورية في الرؤية القرآنية. فالإنسان لا يُقيَّم وفق ما وُلد عليه، بل وفق ما صنعه بنفسه. ولا قيمة أخلاقية لشيء لم يختره الإنسان أصلاً، فليس للرجل فضل لأنه رجل، كما ليس عند المرأة نقص لأنها امرأة. وليس للعربي امتياز لأنه عربي، كما ليس للأعجمي منزلة أدنى لأنه أعجمي. فالانتماءات الموروثة كلها تقع خارج نطاق الاختيار الإنساني، ولذلك لا يمكن أن تكون أساسًا عادلاً للتفاضل.
ولعل هذا المعنى يتعزز بصورة أكبر في قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾ (النجم: 39-40). فهذه الآية تنقل مركز الثقل كله من الهوية الموروثة إلى الفعل المكتسب. فالقيمة الحقيقية للإنسان ليست فيما ينتمي إليه، بل فيما يسعى إليه. وليست في الاسم الذي يحمله، ولا في الجماعة التي ولد فيها، ولا في العرق الذي ينتسب إليه، بل في العمل الذي ينجزه والسعي الذي يبذله.
ومن اللافت للنظر أن هذا المبدأ القرآني يتناقض مع واحدة من أكثر النزعات التصاقًا بالعقل البشري، وهي نزعة البحث عن التفوق الجماعي. فالإنسان يميل بطبيعته إلى تضخيم قيمة الجماعة التي ينتمي إليها، وإلى منحها مكانة استثنائية لا تستند بالضرورة إلى معايير موضوعية. ومن هنا تنشأ القوميات المتعصبة، والعصبيات القبلية، والنظريات العرقية، وأشكال التمييز المختلفة التي قسمت البشر عبر التاريخ إلى درجات ومراتب متخيلة.
ومن منظور فائض التمثّل يمكن فهم هذه الظاهرة بوصفها إحدى نتائج ميل الإنسان إلى تحميل الانتماءات البسيطة معاني أكبر بكثير مما تحتمله في الواقع. فالقبيلة تتحول إلى أسطورة، والقومية تتحول إلى هوية “مقدسة”، والعرق يتحول إلى مبرر للتفوق، والجنس (رجل أو امرأة) يتحول إلى معيار للقيمة الإنسانية. وهكذا ينتقل الإنسان من مجرد الانتماء إلى جماعة ما إلى الاعتقاد بأن هذا الانتماء يمنحه امتيازًا وجوديًا على الآخرين.
أما القرآن فيتجه في الاتجاه المعاكس تمامًا. فهو لا يضفي أي قداسة على الانتماءات البشرية، ولا يمنح أي جماعة حق احتكار الحقيقة أو الكرامة أو القرب من الله بسبب هويتها الموروثة. بل يعيد الجميع إلى نقطة البداية نفسها: إنسان مسؤول عن عمله، ومحاسب على سعيه، ومكرم بقدر ما يحققه من تقوى وعدل وإحسان.
ولهذا يمكن القول إن القرآن هو أكثر النصوص تحررًا من المركزية في تاريخ الفكر الإنساني. فهو لا يجعل الرجل مركزًا للوجود، ولا المرأة مركزًا للوجود، ولا شعبًا دون آخر، ولا عرقًا دون آخر، ولا أمة دون أخرى. بل يجعل مركزية القيمة الإنسانية مرتبطة بشيء واحد فحسب هو ما يختاره الإنسان من أفعال وما يبذله من سعي في طريق الخير.
وعند هذه النقطة بالذات يصبح الإنسان فردًا مسؤولًا أمام الله مباشرة، لا تحمله أنسابُه، ولا تنقذه قبيلتُه، ولا ترفعه قوميتُه، ولا تمنحه هويته الموروثة أي امتياز خاص. فميزان القرآن لا يقيس الإنسان بما وُلِد عليه، وإنما بما صنعه هو بنفسه. وهذه ثورة كبرى هي بحق اعظم ثورة معرفية عرفها الانسان؛ وهي ثورة جاء بها الوحي في مواجهة تاريخ طويل من أوهام المركزية البشرية.
