فائض التمثّل والمعجزات… كيف تكشف خوارق العادات عن الفرق بين الوحي والخيال البشري؟

من بين أكثر الميادين التي تتجلى فيها آثار فائض التمثّل بوضوح لافت ميدان المعجزات وخوارق العادات. فالمعجزة بحكم طبيعتها حدث يخرج عن المألوف، ويخرق انتظام الخبرة اليومية التي اعتادها الإنسان، ولذلك فإنها تمتلك قدرة استثنائية على استثارة الخيال وإثارة الفضول وتحريك الرغبة في معرفة المزيد من التفاصيل. ولهذا السبب بالذات تصبح المعجزات واحدة من أكثر البيئات خصوبة لتعاظم فائض التمثّل ونموه وتضخمه.
وهنا يبرز معيار ذو دلالة بالغة يمكن أن يساعد في التمييز بين الوحي الإلهي وبين ما أضافه الإنسان عبر التاريخ، وهو أن النص القرآني يبدو في تعامله مع المعجزات وكأنه يقاوم بصورة منهجية كل ما يميل إليه العقل البشري من توسع حكائي واستفاضة سردية. فالقرآن لا يتعامل مع المعجزة بوصفها مادة للفرجة أو الإمتاع أو الإشباع القصصي، وإنما بوصفها علامة دلالية تؤدي وظيفة محددة داخل سياق الهداية. ولذلك نلاحظ أن النص القرآني يلتزم في الغالب بأقصى درجات الاقتصاد في السرد، ويكتفي بالقدر الذي يخدم الغاية المقصودة دون زيادة أو استطراد. فحين يتحدث القرآن عن انشقاق البحر لموسى عليه السلام لا يقدم وصفًا تفصيليًا لطبيعة الأمواج، ولا لألوان السماء، ولا لمشاعر الواقفين على الشاطئ، ولا لطول الممرات التي تشكلت بين الماء. وحين يتحدث عن إحياء الموتى على يد عيسى عليه السلام لا يدخل في وصف شكل الميت وهو يعود إلى الحياة، ولا يسهب في تصوير دهشة الحاضرين وردود أفعالهم. وحتى حين يتناول أحداثًا بالغة الغرابة مثل الإسراء أو أصحاب الكهف أو الطير الأبابيل أو انقلاب العصا إلى ثعبان، فإنه يظل محافظًا على درجة مدهشة من الانضباط والاقتضاب.
ولو تأملنا هذه السمة لوجدنا أنها ليست مجرد أسلوب أدبي، وإنما هي تكشف عن فرق جوهري بين منطق الوحي الإلهي ومنطق فائض التمثّل البشري. فالوحي يقدم الحدث كما هو، ثم ينتقل مباشرة إلى دلالته. أما فائض التمثّل فلا يكتفي بالحدث ذاته، بل يشعر بحاجة دائمة إلى ملء الفراغات، وإضافة المشاهد، وتوسيع التفاصيل، وإعادة بناء الحكاية بصورة أكثر إشباعًا للخيال الإنساني.
ومن هنا يمكن فهم ذلك التباين الهائل بين المعجزات كما يوردها القرآن وبين الصورة التي آلت إليها في كثير من الروايات والتفاسير والقصص الشعبية اللاحقة. فما أن يغادَر النص القرآني حتى تبدأ طبقات متراكمة من التفاصيل بالظهور. فتظهر أسماء لم يذكرها النص، وأعداد لم يحددها النص، وحوارات لم ينقلها النص، وأوصاف لم يشر إليها النص، وسلاسل طويلة من الأحداث التي يبدو أنها جاءت استجابة لحاجة نفسية عميقة لدى الإنسان إلى توسيع المشهد وتحويله إلى قصة أكثر اكتمالًا من الناحية الحكائية.
فالإنسان بطبيعته لا يحب الفراغات المعرفية. وحين يواجه نصًا مقتضبًا يشعر بأن هناك شيئًا ناقصًا ينبغي استكماله. وحين يسمع قصة قصيرة يتولد لديه شعور بأن الراوي لم يخبره بكل شيء. ولذلك يسارع العقل الخاضع لفائض التمثّل إلى إنتاج محتوى إضافي يسد هذه الفجوات المتخيلة. غير أن المشكلة تكمن في أن هذه الفجوات قد لا تكون موجودة أصلًا من منظور النص نفسه. فما يراه المتلقي نقصاً هو في الحقيقة جزءٌ من المنهج الإلهي المقصود. فالقرآن لا يروي القصص من أجل إشباع الفضول، بل من أجل تحقيق الهداية. ولا يقدم المعجزة من أجل بناء عالم أسطوري، بل من أجل توجيه الانتباه إلى دلالتها. ولذلك فإن كل تفصيل لا يخدم هذه الغاية يجري استبعاده عمدًا. أما العقل البشري، حين يخضع لفائض التمثّل، فإنه يجنح إلى الميل إلى الاتجاه المعاكس تمامًا؛ إذ يصبح التفصيل قيمة بحد ذاته، وتتحول القصة إلى غاية مستقلة عن الرسالة التي تحملها.
ومن هنا يمكن القول إن فائض التمثّل يقدم لنا معيارًا بالغ القوة للتمييز بين النص الإلهي وبين ما أضافه البشر إليه. فحيثما نجد الاقتصاد والانضباط والاقتضاب والتركيز على الوظيفة الدلالية للنص، فإننا نكون أقرب إلى منطق الوحي. وحيثما نجد التوسع غير الضروري، والاستطراد الحكائي، والإفراط في التفاصيل، والتضخم السردي، فإننا نكون أمام آثار واضحة للعقل البشري وهو يمارس عادته القديمة في إعادة تشكيل الواقع بما يتوافق مع حاجته إلى المزيد من الصور والمعاني والمشاهد.
ولعل هذا يفسر لماذا تبدو قصص القرآن، على الرغم من قصرها الشديد، أكثر قوة وتأثيرًا واستمرارًا من آلاف الصفحات التي كُتبت حولها لاحقًا. فالقوة لا تكمن في كمية التفاصيل، بل في نقاء الرسالة. والنص الإلهي لا يحتاج إلى الزخرفة التي يحتاجها الخيال البشري. فهو يقدم الحقيقة في صورتها الأكثر تركيزًا واكتفاءً بذاتها، بينما يظل فائض التمثّل منشغلًا بإضافة المزيد من الطبقات السردية التي قد تزيد الحكاية طولًا، لكنها لا تزيدها بالضرورة صدقًا.
وهكذا تصبح المعجزات نفسها شاهدًا إضافيًا على وجود فائض التمثّل. فالفارق بين المعجزة كما ترد في القرآن والمعجزة كما يعيد الإنسان روايتها لاحقًا هو ليس مجرد فارق في الأسلوب، بل هو فارق بين منهجين مختلفين في النظر إلى الحقيقة: منهج يكتفي بما هو ضروري لأنه صادر عن علم محيط، ومنهج لا يكف عن الإضافة لأنه صادر عن عقل اعتاد أن يعيش داخل التمثلات أكثر مما يعيش داخل الوقائع.

أضف تعليق