الإدمان… حين أصبح الإنسان عبدًا للدوبامين

من بين جميع الظواهر التي تكشف مقدار القطيعة التي تفصل الإنسان عن بقية الكائنات البايولوجية، ربما لا توجد ظاهرة أكثر دلالة من ظاهرة الإدمان. فالإدمان ليس مجرد عادة سيئة، ولا مجرد ضعف في الإرادة، ولا يقتصر على تعاطي المخدرات أو الكحول أو المواد الكيميائية المؤثرة في الدماغ، بل هو ظاهرة إنسانية شاملة تكاد تمتد إلى كل نشاط يمكن أن يمنح الإنسان شعورًا مؤقتًا بالمكافأة. ولعل هذا ما يجعل الإدمان واحدًا من أكثر المعايير وضوحًا في تعريف الإنسان بوصفه الكائن البايولوجي الوحيد الذي يستطيع أن يستمر في ممارسة سلوك يعلم يقينًا أنه يدمره، وأن يكرر الفعل ذاته رغم إدراكه الكامل لما يترتب عليه من أضرار تمس صحته وأسرته ومستقبله، بل وتمس الأشخاص الذين يعلن أنه يحبهم ويحرص على سعادتهم. ولو كان الإدمان مقتصرًا على المواد المخدرة لكان من الممكن النظر إليه بوصفه مشكلة طبية محدودة النطاق. غير أن الواقع يكشف صورة مغايرة تمامًا، فالإنسان يستطيع أن يدمن المقامرة، والسلطة، والمال، والعمل، والجنس، والطعام، والتسوق، والرياضة، والأخبار، والحرص على جذب الانتباه الاجتماعي، وحتى مشاعر الغضب والكراهية. واليوم أضيف إلى هذه القائمة نمط جديد من الإدمان لم تعرفه البشرية من قبل، وهو الإدمان الرقمي؛ ذلك التعلق المرضي بالشاشات والهواتف الذكية ومنصات التواصل والتطبيقات التي أصبحت ترافق الإنسان منذ لحظة استيقاظه.
وهنا تتجلى إحدى أكثر المفارقات إثارة في التاريخ البشري. فالتكنولوجيا التي قيل إنها جاءت لتحرر الإنسان من القيود، تحولت تدريجيًا إلى واحدة من أكثر الوسائل قدرة على استعباده. ولم يحدث ذلك بالمصادفة، بل لأن الاقتصاد الرقمي بأسره أصبح يعتمد على سلعة واحدة هي الانتباه البشري. فكل دقيقة يقضيها الإنسان أمام الشاشة تتحول إلى قيمة اقتصادية، وكل نقرة، وكل تمرير للإصبع، وكل إشعار يجذب النظر، أصبح جزءًا من منظومة عالمية تتنافس فيها الشركات على الاستحواذ على أكثر الموارد ندرة في عصرنا هذا، ألا وهو وعي الإنسان نفسه. ولم يكن لهذا النموذج الاقتصادي أن ينجح لولا أنه استطاع استغلال إحدى أقدم الدوائر العصبية في الدماغ، وهي دائرة المكافأة المرتبطة بإفراز الدوبامين. فكل إشعار جديد، وكل إعجاب، وكل رسالة، وكل مقطع فيديو قصير، يمنح الدماغ دفعة صغيرة من الشعور بالمكافأة، لا تختلف في مبدئها عن الآليات التي تستغلها كثير من المواد المسببة للإدمان. غير أن الخطورة الحقيقية لا تكمن في الدوبامين ذاته، فهو ناقل عصبي طبيعي لا غنى عنه للتعلم والتحفيز، وإنما تكمن في تحويل هذه المنظومة الطبيعية إلى دائرة مصطنعة من المكافآت المتقطعة التي تجعل الإنسان يلاحق الجرعة التالية بلا نهاية، حتى يصبح السلوك ذاته أهم من الغاية التي وجد من أجلها.
وهكذا يجد الإنسان نفسه ومن حيث لا يشعر، وقد تحول إلى كائن يعمل لصالح خوارزميات لا تعرف عنه سوى أنها مطالبة بإبقائه أطول وقت ممكن داخل التطبيق. ولم يعد هو من يستخدم الهاتف، بل أصبح الهاتف هو الذي يستخدمه. ولم تعد التطبيقات مجرد أدوات في يده، بل أصبحت هي التي تعيد تشكيل عاداته، وتنظم يومه، وتحدد متى يلتفت، ومتى يضحك، ومتى يغضب، ومتى يشعر بالقلق، ومتى يعود إليها مرة أخرى طلبًا لجرعة جديدة من المكافأة العصبية.
وهنا ينبغي التنبه إلى حقيقة أعمق من مجرد الحديث عن الدوبامين. فالدوبامين ليس سبب المشكلة، بل هو الوسيط الكيميائي الذي استغلته منظومة أكبر. أما السؤال الحقيقي فهو: لماذا يستطيع الإنسان أصلًا أن يقع في هذا النوع من العبودية النفسية، بينما لا نجد في عالم الحيوان ما يماثل هذا الاتساع الهائل في أنماط الإدمان؟ إن المقاربة الميتابايولوجية تقترح أن الجواب يكمن في ما يمكن تسميته بفائض التمثّل. فالحيوان يستجيب للحاجة المباشرة، ثم ينصرف عنها بعد إشباعها. أما الإنسان فلا يكتفي بالخبرة نفسها، بل يبني حولها عالماً كاملاً من التوقعات والذكريات والرموز والاحتمالات. وهو لا يطلب اللذة الحاضرة فحسب، بل يطلب صورتها المتخيلة أيضًا، ويعيش في انتظارها قبل وقوعها، ويستعيدها بعد انقضائها، ويخشى فقدانها، ويبحث عن بديل لها إذا غابت. وهكذا تتحول الحاجة الطبيعية إلى سلسلة لا تنتهي من الرغبات التي تغذي نفسها بنفسها.
ومن هنا يبدو الإدمان تجليًا جديدًا من تجليات فائض التمثّل. فالإدمان لا يبدأ عندما يحتاج الجسم إلى الشيء، بل عندما يبدأ العقل في إنتاج تمثلات لا تنتهي عنه. وكلما اتسعت هذه التمثلات، ازداد سلطانها على صاحبها، حتى تصبح أقوى من المنطق، وأشد حضورًا من الواقع، وأكثر تأثيرًا من الألم الذي تسببه. ولهذا يستطيع الإنسان أن يخسر ماله، وصحته، وأسرته، ومع ذلك يعود إلى الفعل ذاته مرة بعد أخرى، لأن ما أصبح يحركه لم يعد الحاجة البيولوجية، وإنما الصورة الذهنية التي صنعها فائض التمثّل حول تلك المكافأة.
ولذلك فإن معركة الإنسان مع الإدمان ليست معركة مع مادة كيميائية بعينها، ولا مع جهاز إلكتروني، ولا مع تطبيق رقمي، بل هي معركة مع الطريقة التي أصبح بها عقله يتعامل مع المكافأة ذاتها. وما لم يستعد الإنسان سيادته على انتباهه، فسوف تستمر هذه المنظومات في تحويل وعيه إلى سلعة، وزمنه إلى منتج، وحياته إلى سلسلة لا تنتهي من الاستجابات الانعكاسية التي تدر أرباحًا على غيره، بينما تستنزف وجوده هو ذاته.
ولعل الإنسانية تقف اليوم أمام أحد أخطر مفترقاتها التاريخية؛ فإما أن تدرك أن الإدمان على الدوبامين الرقمي لا يقل خطرًا عن الإدمان على المواد المهلوسة والمخدرات، وأن كلاهما يقوم على المبدأ نفسه، وهو استعباد منظومة المكافأة في الدماغ، وإما أن تستمر في الانزلاق نحو عالم تصبح فيه حرية الإنسان مجرد وهم، بينما تتولى الخوارزميات توجيه رغباته واختياراته وسلوكه دون أن يشعر.
وربما لن يكون السؤال الأكبر في العقود القادمة: كم أصبحت الآلات ذكية؟ بل سيكون: كم بقي الإنسان حرًا في مواجهة هذا الذكاء الاصطناعي الذي تعلم كيف يخاطب أقدم دوائر الرغبة في دماغه، وكيف يجعلها تعمل ضده وهو يظن أنها تعمل من أجله؟

أضف تعليق