
من بين جميع السلوكيات التي تكشف مقدار القطيعة التي تفصل الإنسان عن بقية الكائنات البايولوجية، ربما لا يوجد سلوك أكثر وضوحًا من ظاهرة الإسراف. فالإسراف ليس مجرد عادة استهلاكية سيئة، ولا مجرد خلل في إدارة الموارد، بل هو أحد أبرز المعالم التي تكشف أن الإنسان لم يعد يتحرك وفق الاقتصاد الذي تقوم عليه الطبيعة نفسها. فكل ما في عالم الأحياء قائم على مبدأ بالغ الصرامة يتمثل في ترشيد الإنفاق الحيوي، وتقنين استهلاك الطاقة، ومنع الهدر، والمحافظة على الموارد المحدودة التي يتوقف عليها استمرار الحياة. ولهذا السبب لا يكاد الباحث يجد في عالم الحيوان ما يمكن وصفه بالإسراف الحقيقي. فالحيوان يأكل عند الحاجة، ويتوقف عندما يشبع، ويبني من المأوى ما يكفيه، ويخزن من الغذاء بالقدر الذي تقتضيه ظروف بقائه، ولا يستهلك من الطاقة إلا ما يخدم هدفًا بايولوجيًا واضحًا. وحتى الحيوانات التي تخزن الطعام استعدادًا لفصل الشتاء فهي إنما تفعل ذلك استجابة لبرنامج فطري دقيق، وليس بدافع التكديس لذاته أو التلذذ بامتلاك ما يزيد على الحاجة. فاقتصاد الطبيعة ليس مجرد سلوك اختياري، بل هو قانون يحكم جميع الكائنات الحية. فكل فائض غير مبرر يمثل عبئًا على الكائن نفسه قبل أن يكون عبئًا على البيئة. ولذلك صاغت ملايين السنين من التطور منظومات دقيقة تجعل معظم الكائنات تستهلك أقل قدر ممكن من الموارد لتحقيق أكبر قدر ممكن من المنفعة التطورية بقاءً وانتشاراً وحفظاً للنوع.
أما الإنسان، فيبدو وكأنه خرج على هذا القانون خروجًا يكاد يكون كاملًا. فهو الكائن البايولوجي الوحيد الذي يستطيع أن يجعل الإسراف غاية في ذاته، وأن يجد متعة في الإنفاق غير الضروري، وفي التكديس الذي لا يخدم حاجة، وفي الاستهلاك الذي يتجاوز بأضعاف ما تقتضيه ضروراته الحيوية. فهو لا يشتري لأنه يحتاج، بل لأنه يرغب في الامتلاك، ولا يأكل لأنه جائع، بل لأنه مدفوع بالرغبة في المزيد، ولا يجمع لأنه سيفتقر، بل لأن التكديس نفسه أصبح مصدرًا للمكافأة النفسية.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أن الإسراف لا يكاد ينفصل عن الإدمان. فكلما ازداد الإنسان إسرافًا ازداد تعلقًا بالمزيد، وكلما حصل على قدر أكبر من المتاع ازداد شعوره بالحاجة إلى متاع جديد. وهكذا يتحول الإسراف إلى دائرة مغلقة يغذي فيها كل سلوك السلوك الذي يليه، حتى يصبح الإنسان أسيرًا لمنظومة لا تعرف الاكتفاء.
ومن هنا يمكن فهم السبب الذي جعل الحضارة الإنسانية، على الرغم من كل ما بلغته من تقدم علمي وتقني، تنتج في الوقت نفسه أكبر معدلات الهدر في تاريخ الحياة على الأرض. فالملايين من الأطنان من الغذاء تُلقى سنويًا في النفايات، ومليارات السلع تُنتج لتُستبدل قبل انتهاء عمرها الحقيقي، وتُستنزف الموارد الطبيعية بوتيرة تفوق قدرة الأرض على تعويضها، ليس لأن الطبيعة تفرض ذلك، بل لأن الإنسان أصبح يدفع نفسه باستمرار نحو المزيد من الاستهلاك.
وهنا يكتسب الخطاب القرآني دلالة أعمق بكثير مما يُظن عادة. فالقرآن لا ينهى عن الإسراف لأنه يضر بالاقتصاد وحده، ولا لأنه يرهق المجتمع فحسب، بل لأنه يمثل انحرافًا عن الميزان الذي قامت عليه الحياة كلها. ولذلك تكرر النهي عن الإسراف في أكثر من موضع، قال تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾. فاللافت هنا أن القرآن لا يكتفي بوصف الإسراف بأنه خطأ، بل يربطه بحالة وجودية تجعل صاحبها في تضاد مع المنهج الإلهي نفسه.
ومن منظور المقاربة الميتابايولوجية التي ننطلق منها، يبدو هذا النهي أكثر عمقًا مما اعتدنا تصوره. فإذا كان أكل آدم وزوجه من الشجرة قد أحدث تغيرات جوهرية في البنية البايوكيميائية والوظيفية للإنسان، وأطلق سلسلة من الظواهر الجديدة التي لم تكن معروفة في ماضيه التطوري، فإن الإسراف يمكن أن يُفهم بوصفه واحدًا من أهم تجليات ذلك التحول. فالإنسان لم يعد يكتفي بما يحقق حاجته، بل أصبح مدفوعًا إلى تجاوز الحاجة نفسها، وكأن منظومات المكافأة في دماغه لم تعد تستجيب لمبدأ الكفاية، وإنما أصبحت تبحث باستمرار عن المزيد.
وعندئذ يغدو الإسراف أكثر من مجرد سلوك اقتصادي؛ إذ أنه تغذية مستمرة لتلك المنظومات المختلة. فكل استهلاك زائد، وكل تكديس غير مبرر، وكل إنفاق يتجاوز الحاجة، يمنح دوائر المكافأة جرعة جديدة تعزز هيمنتها على السلوك، فتزداد مطالبتها بالمزيد، ويصبح التخلص منها أكثر صعوبة. ومن هنا يلتقي الإسراف مع الإدمان عند أصل واحد؛ فكلاهما يقوم على العجز عن الاكتفاء، وعلى استمرار طلب المكافأة رغم انتفاء الحاجة الحقيقية إليها.
ولعل هذا يفسر لماذا جاء المنهج الإلهي داعيًا إلى الاقتصاد والاعتدال والقصد في جميع شؤون الحياة. فهذه الأوامر ليست مجرد قواعد لتنظيم المجتمع، وإنما هي وسائل لإعادة الإنسان تدريجيًا إلى الاتزان الذي فقده، وإلى الاقتصاد البايولوجي الذي خرج عليه منذ لحظة الانعطافة التطورية الأولى؛ يوم أكل أبواه من الشجرة، فالامتناع عن الإسراف لا يقتصر أثره على حفظ المال أو الموارد، بل يمثل تدريبًا يوميًا يعيد للإنسان قدرته على مقاومة سلطان الرغبة غير المنضبطة، ويضعف تدريجيًا هيمنة دوائر المكافأة التي لا تشبع.
وهكذا يغدو الاقتصاد في الإنفاق، والاعتدال في الاستهلاك، والقناعة بما يكفي، جزءًا من مشروع قرآني متكامل يهدف إلى تحرير الإنسان من عبودية للمزيد. فكل خطوة يخطوها الإنسان بعيدًا عن الإسراف هي خطوة يقترب بها من الاتزان الذي قامت عليه الطبيعة، وكل مرة ينتصر فيها على رغبته في التبذير إنما يضعف أثر ذلك التحول الذي جعله الكائن البايولوجي الوحيد القادر على أن يهدر موارده، ويدمر بيئته، ويستهلك نفسه، وهو يظن أنه إنما يسعى إلى مزيد من السعادة.
ولذلك فإن مقاومة الإسراف ليست فضيلة اقتصادية فحسب، بل هي فعل تحرر وجودي، ومحاولة واعية لاستعادة شيء من الانضباط الذي يحكم بقية الكائنات الحية. إنها جزء من رحلة العودة إلى الفطرة التي أرادها الله للإنسان، قبل أن يصبح أسيرًا للرغبة التي لا تعرف حدًا، وللإدمان الذي لا يكتفي أبدًا، وللإسراف الذي لا ينتهي إلا بأن يرد صاحبه إلى الخسران.
