
من بين جميع الظواهر التي تكشف مقدار القطيعة التي تفصل الإنسان عن بقية الكائنات البايولوجية، ربما لا توجد ظاهرة أشد قسوة ولا أكثر تعبيراً عن الظلم الإنساني من ظاهرة البغاء. فهذه الظاهرة لا تمثل مجرد انحراف أخلاقي أو خللاً اجتماعياً، بل تكشف عن انقلاب عميق في الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع أبناء نوعه. فهي تقوم على تحويل الإنسان نفسه إلى سلعة، وعلى تحويل أحد أكثر أبعاد الحياة خصوصية إلى وسيلة للكسب والاتجار.
وإذا تأملنا عالم الحيوان وجدنا أنفسنا أمام مفارقة تستحق التفكير. فالإنسان طالما وصف الحيوان بأنه كائن يفتقر إلى العقل، غير أن هذا الحيوان الذي يُتهم بقلة العقل لم يعرف عبر تاريخه أن ينشئ مؤسسة تقوم على بيع أجساد إناثه أو استغلالها لجمع المال. إن النشاط الجنسي عند الكائنات الحية يبقى مرتبطاً بوظيفته البايولوجية وما تفرضه آليات الانتقاء والتناسل، أما الإنسان فقد استطاع أن يفصل هذه الوظيفة عن سياقها الطبيعي، ثم يحولها إلى تجارة قائمة بذاتها، وإلى مصدر للربح، وإلى صناعة تمتد عبر المجتمعات والثقافات.
ولعل الأكثر إيلاماً أن هذه الظاهرة ليست وليدة العصر الحديث، بل تضرب بجذورها في أعماق التاريخ البشري. وقد أشار القرآن الكريم إلى صورة من صورها حين نهى عن إكراه الإماء على البغاء طلباً للكسب، فقال تعالى: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا﴾. وتكشف هذه الآية الكريمةعن حقيقة اجتماعية مؤلمة، وهي أن بعض البشر لم يترددوا في تحويل أجساد من تقع عليهن سلطتهم إلى وسيلة لجمع المال، وهو لون من ألوان الظلم الذي يجمع بين انتهاك القيمة الإنسانية واستغلال الضعف والطمع في المكسب.
واللافت للنظر أن المشكلة لم تقف عند هذا الحد، بل إن الإنسان المعاصر كثيراً ما يتباهى بأنه لم يقض على الظاهرة، وإنما أعاد تنظيمها. فقد سعت بعض الدول إلى تقنينها، وإخضاعها للإجراءات الإدارية والرقابية والضريبية، حتى غدت في بعض البيئات نشاطاً اقتصادياً معترفاً به قانونياً. وهنا تبرز مفارقة تدعو إلى التأمل: فإذا كان الظلم قد أصبح منظماً بالقانون، فهل يفقد بذلك حقيقته؟ وهل تتحول الممارسة إلى عمل أخلاقي لمجرد أن الدولة أصدرت لها ترخيصاً أو فرضت عليها الضرائب؟ إن القوانين تستطيع أن تنظم الوقائع، لكنها لا تستطيع أن تغير طبيعتها الأخلاقية. فما كان قائماً على استغلال الإنسان للإنسان يبقى استغلالاً، سواء أُدير في الخفاء أم في العلن، وسواء تم خارج القانون أم داخله. إن تقنين الظاهرة لا يعني بالضرورة إزالة أسبابها، بل قد يكون في بعض الأحيان اعترافاً بالعجز عن معالجتها من جذورها.
ومن منظور ميتابايولوجي، تبدو هذه الظاهرة شاهداً إضافياً على خروج الإنسان عن اقتصاد الطبيعة. ففي عالم الأحياء لا يتحول الجسد إلى سلعة، ولا تصبح القدرة الإنجابية مورداً مالياً، ولا تُختزل العلاقات بين أفراد النوع الواحد إلى صفقات اقتصادية. أما الإنسان فقد استطاع، بفعل قدرته الرمزية وبتأثير شهواته ومصالحه، أن يعيد تعريف كل شيء تقريباً، حتى الجسد نفسه.
ولذلك فإن البغاء ليس مجرد قضية جنسية، بل هو قضية حضارية تكشف مقدار ما يستطيع الإنسان أن يفعله عندما ينفصل عن الفطرة التي تضبط بقية الكائنات الحية. إنه شاهد على أن العقل، حين ينفصل عن “هدى الله” والقيم، لا يقود بالضرورة إلى الرقي، بل قد يصبح أداة لتبرير الاستغلال، وتقنينه، وتحويله إلى نظام اقتصادي متكامل.
ولعل في هذا ما يدعو إلى مراجعة الادعاء القديم بأن الإنسان هو أرقى الكائنات لمجرد امتلاكه العقل. فالعقل لا تُقاس قيمته بما ينتجه من وسائل الكسب أو بقدرته على تنظيم المصالح، وإنما بقدرته على صون القيمة الإنسانية وحماية الضعيف ومنع تحويل الإنسان إلى وسيلة في خدمة أطماع الإنسان. فإذا انتهى العقل إلى تشريع ما يهدر هذه القيمة، فإن المشكلة لا تكون في غياب الذكاء، بل في الطريقة التي استُخدم بها هذا الذكاء.
وهكذا تبقى ظاهرة البغاء واحدة من أكثر المرايا قسوة والتي تعكس حقيقة الإنسان؛ فهي لا تكشف ضعف الجسم، بل تكشف قابلية العقل نفسه لأن يبرر الظلم، وأن يزين الاستغلال، وأن يحول القيمة الإنسانية إلى سلعة تُقوَّم بالمال. ومن هنا كانت شاهداً آخر على أن الحضارة لا تُقاس بما تملكه من قوانين أو مؤسسات، بل بما تنجح في حمايته من قيمة الإنسان.
