بحثاً عن النفس الواحدة… ما وراء اختلاف عقول البشر وتماثل أنفسهم

من بين جميع الظواهر التي يتفرد بها الإنسان مقارنة بسائر الكائنات البايولوجية، ربما لا توجد ظاهرة تستحق التأمل أكثر من هذا التناقض الظاهري الذي يجمع بين اختلاف البشر الشديد في عقولهم، وتماثلهم العجيب في نفوسهم. فالناس يتفاوتون تفاوتاً هائلاً في مستويات المعرفة والذكاء، وفي طرائق التفكير والتحليل والاستدلال، وفي قدراتهم المعرفية والفنية، وفي ثقافاتهم ولغاتهم وتجاربهم الحياتية. ويكاد المرء لا يجد عقلين متماثلين تماماً؛ لأن العقل يتشكل عبر التربية والتعليم والثقافة والخبرة والممارسة والبيئة الاجتماعية، فضلاً عما يورثه الإنسان من استعدادات فطرية مختلفة. ولهذا السبب تبدو البشرية وكأنها فسيفساء من العقول المتباينة. ففيها العالِم والجاهل، والفيلسوف والعامل، والمفكر والفنان، والعبقري وصاحب القدرات المحدودة، ولكل منهم طريقته الخاصة في إدراك العالَم وفهمه والتعامل معه، بل إن الإنسان نفسه لا يبقى صاحب العقل ذاته طوال حياته؛ إذ ينمو عقله ويتغير كلما ازدادت خبراته واتسعت معارفه. غير أن التأمل في الجانب الآخر من الظاهرة الإنسانية يقود إلى نتيجة مختلفة تماماً. فحين نغادر ميدان العقل إلى ميدان النفس، نجد أنفسنا أمام صورة تكاد تكون معكوسة تماماً، فالنفس البشرية لا تبدو وكأنها تعرف ذلك التفاوت الهائل الذي نراه في العقول، بل تبدو متشابهة إلى حد يثير الدهشة. فما يزال الإنسان، مهما اختلف عصره أو موطنه أو لغته أو طبقته الاجتماعية أو دينه أو مستواه العلمي، يحب بالكيفية نفسها، ويغار للأسباب نفسها، ويحسد بالطبيعة نفسها، ويطمع بالكيفية نفسها، ويغضب بالاندفاع ذاته، ويشتهي التملك والاستئثار كما فعل أسلافه منذ آلاف السنين، ويجد في الانتقام لذة داخلية تكاد تكون واحدة لدى الجميع إذا تُركت النفس لسلطانها.
ولو طالعنا التاريخ الإنساني، من أقدم الحضارات إلى عالمنا المعاصر، لوجدنا أن الشخصيات تتغير بينما تبقى الانفعالات واحدة. فالملوك والفقراء، والقادة والعامة، والعلماء والأميون، والرجال والنساء، وسكان الشرق والغرب، جميعهم يخضعون للبنية الانفعالية ذاتها. وقد تختلف الوسائل التي يعبرون بها عن هذه المشاعر، لكن أصل هذه المشاعر لا يكاد يتغير. فالغيرة هي الغيرة، والحسد هو الحسد، والطمع هو الطمع، والأنانية هي الأنانية، وإن تبدلت الأزياء واللغات والحضارات.
ومن هنا يبرز سؤال بالغ الدلالة: كيف يمكن لعقول البشر أن تبلغ هذا القدر الهائل من التنوع، بينما تبقى نفوسهم متطابقة إلى هذا الحد؟
وفقاً للمقاربة الميتابايولوجية، لا يكمن السر في العقل، وإنما في أصل النفس نفسها. فالعقل مشروع فردي يتكون بالتدريج داخل كل إنسان بحسب ظروف حياته، أما النفس فهي الأصل المشترك الذي وُلد معه الإنسان منذ بداية الظاهرة الإنسانية. ولهذا فإن اختلاف العقول لا يمس جوهر النفس، كما أن اختلاف اللغات لا يغيّر طبيعة الحاجة إلى الكلام.
ولعل في الخطاب القرآني ما يلفت الانتباه إلى هذه الحقيقة حين يتحدث عن النفس بصيغة تكشف وحدتها العميقة بين البشر. فالقرآن العظيم لا يجعل البشر مجرد أفراد متجاورين، بل يربطهم بأصل نفسي واحد، وكأن ما يظهر في كل فرد ليس سوى تجلٍ خاص لذلك الأصل المشترك. ولهذا السبب تبدو الاستجابات النفسية متكررة عبر التاريخ كله، حتى ليخيل إلى المتأمل أن الإنسانية بأسرها إنما تتحرك من داخل نفس واحدة تتعدد أجسادها ولا تتعدد دوافعها الأساسية. ومن هنا أيضاً يمكن فهم السبب في أن الأنبياء جميعاً خاطبوا الإنسان بالأسلوب الأخلاقي نفسه. فلم يكن الوحي في حاجة إلى دين خاص بكل حضارة تبعاً لاختلاف عقولها، لأن القضية لم تكن قضية عقول، وإنما قضية نفوس. ولذلك جاءت الدعوات الإلهية جميعها لتحاصر الحسد، والطمع، والكبر، والبغي، والعدوان، وحب الاستعلاء، والانتقام، وسائر الانفعالات التي لم تتغير منذ ظهور الإنسان الأول حتى يومنا هذا.
أما الحيوان فلا يبدو أنه يعرف هذا الانقسام بين عقل متغير ونفس ثابتة. فسلوكه محكوم ببرمجته البايولوجية، ولا يمتلك ذلك العالَم الداخلي المعقد الذي يجعل الإنسان يعيش صراعاً دائماً بين ما يعرفه بعقله، وما تشتهيه نفسه. ولهذا قد يبلغ الإنسان أعلى درجات المعرفة، ثم يخضع في لحظة غضب أو حسد أو طمع لدوافع لا تختلف في جوهرها عن دوافع أي إنسان آخر مهما اختلف عنه في الثقافة أو المكانة أو التاريخ.
ومن هنا فقد لا يكون أعجب ما في الإنسان هو اختلاف العقول، وإنما هذا التشابه العجيب في النفوس. فالعقول تتعدد بتعدد البيئات، أما النفس فتكاد تبقى واحدة. وكأن البشرية كلها تحمل في داخلها النفس ذاتها، ظهرت أول مرة يوم خرج الإنسان من براءته الأولى، ثم أخذت تتكرر في كل مولود جديد، تحمل الانفعالات نفسها، والرغبات نفسها، والصراعات نفسها، وإن اختلفت العقول التي تسكنها.
ولعل هذه الحقيقة تفسر سرَّ وحدة التاريخ الإنساني رغم اختلاف حضاراته؛ فما دام مصدر الانفعالات واحداً، فإن صور الظلم، والحب، والكراهية، والطمع، والتنافس، والرحمة، والأنانية، ستظل تعيد إنتاج نفسها جيلاً بعد جيل. وما يتغير ليس النفس، بل الأدوات التي تستخدمها النفس للتعبير عن ذاتها. ولذلك فقد يكون الطريق إلى فهم الإنسان لا يبدأ بالسؤال: لماذا تختلف عقول البشر؟ بل بالسؤال الأعمق: كيف بقيت نفوسهم واحدة، رغم أن العالم كله من حولهم لم يكف عن التغير؟

أضف تعليق