الجنون… حين أصبح الإنسان الكائن البايولوجي الوحيد الذي يحمل انهياره العقلي في داخله

من بين جميع الظواهر التي يتفرد بها الإنسان مقارنة بسائر الكائنات البايولوجية، ربما لا توجد ظاهرة أكثر وضوحاً ولا أشد دلالة من ظاهرة الجنون. فالجنون ليس مجرد مرض من الأمراض التي قد تصيب الدماغ، ولا مجرد اضطراب نفسي محدود، بل يكشف عن حقيقة أكثر عمقاً تتعلق بطبيعة الإنسان نفسه. فالحيوان، في الأحوال الطبيعية، لا يعرف الجنون بالمعنى الذي نعرفه عند البشر. وقد يفقد الحيوان انتظام سلوكه إذا تعرض لآفة عضوية مباشرة، كما يحدث في داء الكَلَب، أو إثر إصابة دماغية محددة، أو نتيجة تلف يصيب جهازه العصبي. أما خارج هذه الحالات، فإنه يبقى منضبطاً ضمن الحدود التي رسمتها له برمجته البايولوجية، فلا يخرج عليها خروجاً جذرياً.
أما الإنسان فيختلف اختلافاً نوعياً. فهو لا يحتاج دائماً إلى فيروس، ولا إلى إصابة في الدماغ، ولا إلى خلل عصبي ظاهر حتى يقدم على أفعال تبدو وكأنها انفصال كامل عن مقتضيات العقل أو عن المسلمات التي استقر عليها مجتمعه. فالوقائع اليومية، وسجلات المحاكم، وتقارير الشرطة، وملفات الطب النفسي، بل والتاريخ الإنساني كله، تكشف أن الإنسان يمتلك قدرة كامنة على أن يتحول إلى شخص لا يمكن التنبؤ بأفعاله، ولا الركون إلى سلوكه، متى ما اجتمعت “ظروف ضاغطة” مع ضعف القدرة على ضبط النفس.
ومن هنا تقترح الميتابايولوجيا النظر إلى الجنون من زاوية مختلفة؛ فالجنون ليس حالة استثنائية تخص قلة من الناس، بل هو قابلية كامنة يحملها كل فرد من أفراد الجنس البشري بدرجات متفاوتة. إن ما يختلف بين البشر ليس وجود هذه القابلية أو عدم وجودها، وإنما مقدار السيطرة عليها، وقوة الآليات النفسية والعقلية والاجتماعية التي تحول دون تحولها من إمكانية كامنة إلى واقع ظاهر.
ولعل هذا هو ما يجعل العبارة العربية الشائعة “الجنون فنون” أكثر عمقاً مما تبدو عليه. فهي لا تشير إلى مرض واحد، وإنما إلى التعدد المذهل للصور التي يمكن أن يتجلى بها خروج الإنسان عن مقتضيات العقل والاتزان. فلكل إنسان طريقته الخاصة في التعبير عن هذه القابلية، ولذلك يصعب حصر أشكالها أو تصنيفها تصنيفاً نهائياً. فقد يتجلى الجنون في عنف دموي، أو في تعصب أعمى، أو في هوس بالسلطة، أو في اندفاع انتحاري، أو في أوهام العظمة، أو في غيرة مرضية، أو في تعلق قهري، أو في سلوكيات لا يستطيع صاحبها نفسه أن يفسر سبب إصراره عليها.
وهنا يبرز الفرق الجوهري بين الإنسان والحيوان. فالحيوان لا يحتاج إلى جهد متواصل حتى يبقى عاقلاً؛ لأنه لم يُخلق أصلاً وفي داخله هذه القابلية الواسعة للانفلات من برمجته الفطرية. أما الإنسان، فإنه يقضي حياته كلها تقريباً في محاولة ضبط ذاته، وكبح انفعالاته، ومقاومة دوافعه، ومراجعة أفكاره، وتصحيح أحكامه، خوفاً من أن يخرج عن الحدود التي تجعل الآخرين يعدّونه إنساناً سوياً. ولهذا كان العقل عند الإنسان ليس حالة مستقرة، وإنما توازن دائم يحتاج إلى صيانة مستمرة.
ومن هذا المنظور الميتابايولوجي، يمكن النظر إلى الجنون بوصفه أثراً آخر من الآثار الكارثية التي ترتبت على الأكل من الشجرة. فإذا كانت تلك الحادثة قد أطلقت في الإنسان قوى جديدة تجاوز بها عالم الحيوان، فمن الممكن أن تكون قد أطلقت معه أيضاً هذه القابلية الدائمة للانفصال عن الضبط الطبيعي الذي ما تزال بقية الكائنات تعيش في كنفه. وهكذا أصبح الإنسان الكائن الوحيد الذي يحمل إمكانية انهياره العقلي معه أينما ذهب، دون حاجة إلى إصابة خارجية ظاهرة.
ولعل هذا يفسر لماذا يخبرنا التاريخ، منذ أقدم الحضارات حتى يومنا هذا، عن أفراد كانوا قبل ساعات أو أيام أشخاصاً عاديين، ثم تحولوا فجأة إلى قتلة، أو طغاة، أو مهووسين، أو مرتكبي أفعال يعجزون هم أنفسهم لاحقاً عن تفسيرها. إن الإنسان لا يحتاج إلى أن يولد مجنوناً حتى يصبح كذلك؛ بل يكفي أن تتوافر القوة الضاغطة المناسبة، وأن تنهار منظومة الضبط الداخلي، حتى تنتقل تلك القابلية من وجود بـ “القوة” إلى وجود بـ “الفعل”. ومن هنا أيضاً يصبح مفهوماً لماذا لا ينبغي الاطمئنان الكامل إلى الإنسان لمجرد أنه يبدو عاقلاً في لحظة معينة. فالعقل عند البشر ليس صفة جامدة، بل حالة توازن قابلة للاهتزاز. وما دام الإنسان يحمل في تكوينه هذه الإمكانية الكامنة، فإن مسؤوليته الأخلاقية لا تقتصر على تجنب الظلم والعدوان، بل تمتد إلى المحافظة الدائمة على ذلك التوازن الذي يحول بينه وبين السقوط في أشكال الجنون التي لا يخلو التاريخ من آلاف الأمثلة عليها.
ولعل هذا هو أحد أكثر الجوانب إثارة في الظاهرة الإنسانية؛ فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي استطاع أن يبلغ أسمى مراتب العقل، وأن يكتب الفلسفات، ويؤسس العلوم، ويبني الحضارات، وهو في الوقت نفسه الكائن الوحيد الذي يستطيع، دون أن يتغير تركيبه البايولوجي، أن ينحدر إلى مستويات من اللامعقولية والاندفاع والتدمير لا نجد لها نظيراً في عالم الطبيعة. وكأن أعظم ما اكتسبه الإنسان كان هو في الوقت ذاته أعظم ما عرّضه لاحتمال فقدان نفسه.

أضف تعليق