فائض التمثّل كمعيار تشخيصي يكشف حقيقة النصوص

من بين جميع التطبيقات التي يمكن أن يثمر عنها مفهوم فائض التمثّل، ربما لا يوجد تطبيق أكثر دلالة من اتخاذه معياراً تشخيصياً يمكن الاحتكام إليه عند تحليل النصوص، وذلك بقصد التمييز بين ما صدر عن الوحي الإلهي وما انتجته المخيلة البشرية. فإذا كان فائض التمثّل يمثل السمة الأكثر التصاقاً بالعقل الإنساني بعد خروجه من بساطة الإدراك الطبيعي إلى عالم التصورات والتمثلات والتأويلات، فإنه يترك بصمته الواضحة على كل نص يصوغه الإنسان، مهما حاول صاحبه أن يلتزم الحياد أو أن يقلد الأصل الإلهي.
فالنص الإلهي، كما يتجلى في القرآن الكريم، يمتاز بقدر لافت من الانضباط المعرفي؛ فهو لا يملأ الفراغات التي لم يأذن الله بكشفها، ولا يستجيب لفضول الإنسان، ولا يقدم تفاصيل لإشباع الرغبة الحكائية، وإنما يقف عند الحد الذي يحقق الهداية، ثم يصمت عما وراء ذلك. أما النصوص البشرية، فإنها قلما تقاوم هذا الميل؛ إذ سرعان ما تتدفق إليها الشروح والتفسيرات والسيناريوهات والحوارات والتفاصيل التي لم يرد بها النص الأصلي، حتى يغدو الأصل إطاراً عاماً تتولى المخيلة البشرية ملأ فراغاته.
ولعل قضية مصير الإنسان بعد الموت تقدم نموذجاً بالغ الدلالة على هذا الفارق المنهجي. فالقرآن العظيم يقرر حقيقة البعث تقريراً قاطعاً، لكنه في الوقت نفسه يجعل موعده متعلقاً بقيام الساعة، والساعة من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، فلا يعلم وقتها أحد إلا هو. وبهذا يضع القرآن العقل البشري أمام حقيقة تتجاوز حدود الزمان والمكان اللذين اعتاد أن يبني عليهما جميع تصوراته.
وهنا يبرز التحدي الحقيقي أمام العقل الإنساني؛ فهو لا يكاد يستطيع أن يتصور حدثاً لا يخضع لإحداثيات “الهنا” و”الآن”. فالإنسان يفكر دائماً من داخل عالمه المباشر، ولذلك يميل إلى إسقاط قوانين هذا العالم على كل ما يتجاوزه، حتى إذا واجه قضية تنتمي إلى الغيب، حاول أن يعيد تشكيلها بما يجعلها قابلة للتخيل وفق النماذج التي ألفها.
ومن هنا يمكن فهم التنوع الكبير في التصورات البشرية المتعلقة بما بعد الموت. فبعض الثقافات صاغ فكرة التناسخ أو التقمص، فجعلت الإنسان ينتقل مباشرة بعد موته إلى جسد آخر داخل هذا العالم، وبذلك بقيت الحياة الأخرى خاضعة للزمان والمكان نفسيهما اللذين يعرفهما الإنسان. وفي المقابل، ذهبت تصورات مادية إلى إنكار الحياة بعد الموت أصلاً، وعدّت الإنسان مجرد مادة تعود إلى التراب بعد فنائها، وهو ما يشير إليه القرآن عند حديثه عن أقوام قالوا إن الإنسان إذا صار تراباً فلن يعود إلى الحياة. وعلى الرغم من التباين الظاهر بين هذين الاتجاهين، فإن كلاهما يشترك في خاصية واحدة؛ فكلاهما يحاول حل الإشكالية وفق حدود الخبرة الإنسانية المباشرة. فإما أن تبقى الحياة مستمرة داخل هذا العالم، وإما أن تنتهي نهائياً بموت الجسد. أما التصور القرآني، فإنه لا يخضع لأي من هذين النموذجين، لأنه لا يجعل الغيب امتداداً آلياً لعالم الشهادة، ولا يسمح للعقل أن يملأ المساحات التي لم يكشفها الوحي.
وهنا تتجلى القيمة التشخيصية لفائض التمثّل. فكلما وجدنا نصاً يندفع نحو سد الفراغات، وإضافة التفاصيل، وتحويل الغيب إلى مشاهد مكتملة، ورسم حوارات وأحداث لم يرد بها النص الإلهي، أمكننا أن نرى أثر العقل البشري وهو يعمل وفق ميله الطبيعي إلى التمثّل. أما حين نجد نصاً يقاوم هذا الميل، ويقف عند حدود البيان، ويمتنع عن الخوض فيما لم يُكشف، ويترك الغيب غيباً، فإننا نكون أمام نمط مغاير من الخطاب، لا يتصرف وفق مقتضيات المخيلة الإنسانية.
ومن هنا لا يعود فائض التمثّل مجرد تفسير لآلية التفكير البشري، بل يتحول إلى معيار إبستمولوجي يمكن الاحتكام إليه في دراسة النصوص. فليس السؤال عندئذ: ماذا يقول النص؟ وإنما: كيف يقول ما يقوله؟ وهل يستجيب لرغبة الإنسان في استكمال الصورة، أم يقاوم هذه الرغبة ويكتفي بما يحقق الغاية التي من أجلها جاء؟
ولعل هذه المقاومة المنهجية لفائض التمثّل هي واحدة من أبرز السمات التي تمنح الخطاب القرآني فرادته. فكلما اتسعت المقارنة بينه وبين ما أنتجه الإنسان من شروح وأساطير وتأويلات وسرديات، ازداد وضوح الفرق بين خطاب يلتزم حدود الوحي، وخطابات أخرى تعكس، بدرجات متفاوتة، ميل العقل البشري إلى إضافة ما لم يُقل، وتصوير ما لم يُصوَّر، وملء ما تركه النص مفتوحاً لحكمة يعلمها الله وحده.
ومن هذا المنظور، يغدو فائض التمثّل أشبه بعدسة نقدية يمكن بوساطتها إعادة قراءة التراث الإنساني كله؛ لا بقصد نفي قيمته، وإنما بقصد تمييز ما ينتمي إلى الوحي مما أضافه الإنسان عبر القرون، مدفوعاً بذلك الميل الفطري إلى التفسير، والتخييل، واستكمال ما يراه ناقصاً، بينما قد يكون هذا “الاقتصاد في البيان” هو ذاته أحد أبرز دلائل المصدر الإلهي للنص.

أضف تعليق