السنابينج (Snapping) … حين يغيّر الإنسان شخصيته في لحظة واحدة

من بين الظواهر الإنسانية التي لم تنل ما تستحقه من الاهتمام الأكاديمي، رغم ما تنطوي عليه من دلالات بالغة العمق، تبرز ظاهرة ما اصطلح على تسميتها بال Snapping؛ أي ذلك التحول المفاجئ والحاد الذي يطرأ على شخصية الإنسان وسلوكه دون أن يسبقه، في كثير من الحالات، التدرج الذي اعتادت المدارس النفسية أن تفسر به الاضطرابات والانهيارات النفسية. وقد اكتسبت هذه الظاهرة حضوراً واسعاً بعد صدور كتاب Snapping: America’s Epidemic of Sudden Personality Change للكاتبين فلور بويادجيان وسيريل دوهيرتي، وهو عمل ضخم استند إلى مئات الإحالات والمراجع والشهادات التاريخية، وعرض عدداً كبيراً من الحالات التي بدا فيها الإنسان وكأنه انتقل خلال فترة وجيزة من شخصية مستقرة ومتزنة إلى شخصية أخرى مختلفة تماماً في أفكارها وسلوكها وقيمها، بل وحتى في نظرتها إلى الحياة.
ولا تكمن أهمية هذا الكتاب في كونه يقدم تفسيراً نهائياً لهذه الظاهرة، وإنما في أنه يجمع كماً هائلاً من الوقائع التي يصعب تجاهلها أو اختزالها في تفسيرات نفسية تقليدية. فهو يسلط الضوء على حالات يبدو فيها التغير أعمق وأسرع مما تتوقعه النماذج العلاجية التي تقوم على فكرة التراكم التدريجي للصراعات النفسية أو الخبرات الماضية.
ومن هنا تبرز الإشكالية المعرفية. فإذا كان الإنسان يحتاج دائماً إلى سنوات طويلة من العلاج والتحليل لاستعادة توازنه النفسي، فكيف نفسر تلك الحالات التي يبدو فيها وكأن الشخصية بأكملها قد أعيد تشكيلها خلال فترة قصيرة للغاية؟ وهل يكفي الحديث عن الكبت، أو الصدمات، أو اللاوعي، أو أنماط التنشئة لتفسير كل ما نشاهده في هذه الحالات؟ إن مثل هذه الأسئلة لا تعني رفض الطب النفسي، ولا إنكار ما حققه من إنجازات مهمة في تشخيص كثير من الاضطرابات وعلاجها، لكنها تدعو إلى الاعتراف بأن الظاهرة الإنسانية لا تزال أكثر تعقيداً من أن تُختزل في نموذج تفسيري واحد. فما يزال الإنسان يحمل في داخله جوانب لم تستطع العلوم النفسية حتى اليوم الإحاطة بها إحاطة كاملة.
ولعل ظاهرة السنابينج تمثل مثالاً واضحاً على هذا التعقيد. فهي توحي بأن الشخصية الإنسانية ليست بنية جامدة تتغير دائماً ببطء، وإنما قد تحتوي على قابلية كامنة لإعادة تنظيم نفسها بصورة مفاجئة عندما تبلغ بعض العوامل النفسية أو الاجتماعية أو البيولوجية حداً معيناً. وهذه الفرضية لا تزال تحتاج إلى دراسات تجريبية واسعة، لكنها تفتح باباً مهماً لإعادة التفكير في طبيعة الشخصية البشرية ذاتها.
ومن منظور الميتابايولوجيا، تكتسب هذه الظاهرة دلالة إضافية. فهي تنضم إلى طائفة واسعة من الظواهر الإنسانية التي يصعب العثور على نظائر حقيقية لها في عالم الحيوان. فالإنسان لا يتميز فقط بقدرته على إنتاج الحضارة واللغة والفنون، بل يتميز أيضاً بهذه الهشاشة النفسية الفريدة التي قد تفضي أحياناً إلى انقلاب جذري في طريقة إدراكه للعالم وفي بنيته السلوكية خلال فترة زمنية قصيرة.
وهنا يبرز سؤال تطوري ذو دلالة بالغة: إذا كانت الصلة التطورية بين الإنسان والرئيسيات الأخرى حقيقة تؤيدها شواهد بيولوجية كثيرة، فكيف ظهرت لدى الإنسان وحده هذه المجموعة الواسعة من الظواهر النفسية والسلوكية التي لا نجد لها مقابلاً واضحاً لدى أقرب أقربائه في المملكة الحيوانية؟ وهل يكفي تفسيرها بأنها مجرد امتداد طبيعي لازدياد حجم الدماغ، أم أن الأمر يشير إلى تحول نوعي أعمق في تاريخ الإنسان؟
إن الميتابايولوجيا تقترح أن هذه الظواهر ليست أحداثاً منفصلة، وإنما هي تنتمي إلى منظومة واحدة تضم القلق الوجودي، والإدمان، والجنون، وفائض التمثل، والأسطورة، والوهم، والعدوان غير الضروري، والانتحار، وغيرها من الخصائص التي تشكل بمجموعها ما يمكن تسميته بالحالة الإنسانية (The Human Condition). وإذا صح النظر إليها بوصفها منظومة مترابطة، فإنها تدعو إلى إعادة النظر في الكيفية التي نفهم بها التطور البشري نفسه.
ولا يقتضي ذلك إنكار القرابة التطورية بين الإنسان وسائر الرئيسيات، وإنما يدعو إلى التساؤل عما إذا كانت تلك القرابة قد تعرضت في مرحلة ما لتحول نوعي لم تستطع النظرية التطورية التقليدية تفسيره تفسيراً كاملاً. فربما لم يكن تاريخ الإنسان مجرد استمرار خطي لمسار تطوري واحد، بل شهد حدثاً مفصلياً غيّر طبيعة هذا الكائن، وأضاف إليه خصائص لم تكن جزءاً من مساره البايولوجي الأصلي.
وقد يكون هذا هو السبب في أن الإنسان أصبح الكائن الوحيد الذي يستطيع أن ينهار نفسياً بسبب فكرة، أو يعيش أسيراً لوهم، أو يغير شخصيته بصورة مفاجئة، أو يدخل في صراع مع ذاته لا يشبه شيئاً مما نراه في بقية الكائنات الحية. ولذلك فإن ظاهرة السنابينج ليست مجرد موضوع يخص الطب النفسي، بل هي نافذة واسعة لفهم الإنسان نفسه، وربما واحدة من المفاتيح التي ينبغي أن تؤخذ على محمل الجد في أي محاولة لصياغة نظرية أشمل عن طبيعة الإنسان وأصله وتاريخه التطوري.

أضف تعليق