من تاريخ التطور إلى تاريخ الاحتمالات… ثورة إبستمولوجية في دراسة الحياة

من بين جميع التحولات التي قد تنجم عن نظرية الانعطافة التطورية الأولى، ربما لا يوجد تحول أشد عمقاً من ذلك الذي يطال مفهوم المعرفة العلمية نفسه. فالعلوم، منذ نشأتها الحديثة، اعتادت أن تجعل من الواقع التاريخي موضوعها الأول، وأن تنظر إلى الأحداث التي وقعت بالفعل باعتبارها المادة الوحيدة التي يجوز بناء التفسير العلمي عليها. ولهذا انصب اهتمام البايولوجيا التطورية، منذ ظهورها، على إعادة بناء تاريخ الحياة كما حدث فعلاً، وليس كما كان يمكن أن يحدث. ولا ريب في أن هذا المنهج قد حقق نجاحاً استثنائياً. فقد استطاع أن يكشف شجرة القرابة بين الكائنات الحية، وأن يفسر نشأة الأنواع، وأن يعيد تركيب كثير من حلقات التاريخ البايولوجي للأرض بدرجة مدهشة من الدقة. غير أن هذا النجاح نفسه قد أخفى سؤالاً آخر لا يقل عنه دلالة معرفية، وهو: هل التاريخ الذي تحقق هو وحده الذي يستحق الدراسة العلمية؟
قد يبدو الجواب بديهياً لأول وهلة، لكن تاريخ العلوم يخبرنا بعكس ذلك. فالفيزياء المعاصرة لا تكتفي بدراسة الظواهر التي حدثت، بل تبني نماذج لظواهر لم تقع قط لتختبر القوانين التي تحكم الكون. وعلوم المناخ تحاكي عوالم مستقبلية لم توجد بعد. والاقتصاد يدرس السيناريوهات المحتملة قبل وقوعها. أما علم الوراثة فيبحث باستمرار فيما كان يمكن أن يحدث لو تبدلت طفرة واحدة أو تغير جين واحد.
فلماذا تبقى البايولوجيا التطورية، في جانب مهم من أسئلتها، أسيرة الماضي وحده؟
إن فرضية الانعطافة التطورية الأولى تقترح توسيع دائرة البحث، ليس بإلغاء دراسة التاريخ الفعلي، وإنما بإضافة بعد آخر إليه؛ هو دراسة التاريخ الممكن. فهي تفترض أن الإنسان الذي نعرفه لم يكن النتيجة الوحيدة التي كان بمقدور التطور أن ينتهي إليها، لو أن “حدثاً ما” لم يحدث، وإنما كان واحداً من عدة احتمالات، وأن فهم هذا الاحتمال يقتضي مقارنة مساره بالمسارات الأخرى التي كان يمكن أن تتشكل لو بقي التطور محافظاً على استمراريته.
وهنا يبرز تحول إبستمولوجي بالغ الدلالة. فالمعرفة العلمية لا تعود مقصورة على وصف ما وقع، وإنما تصبح قادرة على استكشاف فضاء الإمكانات التي كان يمكن أن تقع، ثم قياس مدى اتساقها مع القوانين التي نعرفها. والفرق بين الأمرين ليس فرقاً في الدرجة، بل في طبيعة المعرفة ذاتها.
لقد كان السؤال التقليدي يقول: ماذا حدث؟ ثم تطور ليصبح: لماذا حدث؟ أما السؤال الذي تضيفه هذه الرؤية فهو: ماذا كان يمكن أن يحدث لو تغير شرط واحد فقط من “شروط البداية”؟ وليس هذا السؤال غريباً عن التفكير العلمي. فعندما يريد الفيزيائي أن يعرف أثر قوة معينة، فإنه يحذفها من نموذجه الرياضي ويرى ما الذي سيتغير. وعندما يدرس عالِم الوراثة وظيفة جين محدد، فإنه يتخيل الكائن بعد غياب ذلك الجين أو تعطله. وعندما يدرس الطبيب وظيفة عضو معين، فإنه يقارن بين حالتي وجوده وغيابه. إن هذه الطريقة ليست هروباً من الواقع، ولكنها وسيلة لفهمه بصورة أدق. ومن هنا فإن “الإنسان الافتراضي” الذي لم يوجد قط لا يصبح شخصية متخيلة، وإنما يتحول إلى أداة معرفية. فدراسة هذا الإنسان لا تهدف إلى إثبات وجوده، بل إلى قياس مقدار ما أحدثته الانعطافة التطورية الأولى من تغيير في الإنسان الذي نعرفه. فإذا كان “الإنسان البديل” سيحتفظ باقتصاد الطبيعة في غذائه، وعدوانه، ونشاطه الجنسي، وبنيته النفسية، وإذا كان سيفتقد في الوقت نفسه فائض التمثّل بكل ما يترتب عليه من أساطير وإيديولوجيات وحضارات وصراعات، فإن المقارنة بين النموذجين تكشف مقدار الأثر الذي أحدثه ذلك التحول المفترض في البنية الوظيفية للعقل.
وهنا تتجاوز النظرية حدود البايولوجيا مرة أخرى. فهي تقدم نموذجاً جديداً للمعرفة يقوم على المقارنة بين الواقع والإمكان، لا بين الوقائع وحدها. وبهذا تصبح الفرضية العلمية أقرب إلى المختبر الفكري الذي يسمح باختبار العلاقات السببية دون الحاجة إلى إعادة التاريخ نفسه.
ولعل الذكاء الاصطناعي هو أول أداة معرفية تجعل هذا النوع من البحث قابلاً للتطبيق بصورة لم تكن متاحة من قبل. فهو يستطيع أن يبني آلاف النماذج التطورية المختلفة، وأن يقارن بينها، وأن يختبر مدى انسجامها مع قوانين الوراثة والأعصاب والسلوك والبيئة، فيحول الإمكان النظري إلى نموذج يمكن فحصه وتحليله.
ومن هنا قد ندرك أن الثورة القادمة في البايولوجيا التطورية لن تكون بالضرورة اكتشاف أحفورة جديدة، ولا جين جديد، ولا نوع جديد من الكائنات الحية، وإنما تطوير منهج جديد لدراسة الحياة نفسها؛ وهو منهج لا يكتفي بإعادة بناء ما وقع، بل يعيد أيضاً بناء ما كان يمكن أن يقع، ويقارن بين الاثنين مقارنة منهجية دقيقة.
إن هذا لا يعني أن جميع الاحتمالات متساوية في القيمة، ولا أن كل تصور افتراضي يصلح أن يكون علماً. فالاحتمال العلمي ليس خيالاً حراً، وإنما هو نموذج مقيد بالقوانين المعروفة وبالبيانات المتاحة وبالاتساق الداخلي. وكلما ازداد النموذج قدرة على تفسير الوقائع وربطها في إطار واحد، ازدادت قيمته العلمية.
ولعل هذا هو ما يمنح نظرية الانعطافة التطورية الأولى بعدها الإبستمولوجي الحقيقي. فهذه النظرية لا تضيف فرضية إلى قائمة الفرضيات، ولكنها تقترح توسيع مفهوم التفسير العلمي نفسه، بحيث يصبح تاريخ الحياة مكوناً من مستويين متكاملين: تاريخ الوقائع التي حدثت، وتاريخ الإمكانات التي لم تحدث ولكنها تكشف، من خلال غيابها، كثيراً من أسرار ما حدث بالفعل.
وربما يكون هذا هو التحول الذي ينتظر البايولوجيا في العقود القادمة. فكما انتقلت الفيزياء من دراسة الأجسام وحدها إلى دراسة النماذج الرياضية التي تحكمها، قد تنتقل البايولوجيا هي الأخرى من الاكتفاء بإعادة بناء التاريخ الطبيعي إلى دراسة فضاء الاحتمالات التطورية التي يحتويها ذلك التاريخ.
وعندئذ لن يكون السؤال العلمي الأكبر: كيف تطور الإنسان؟ بل سيصبح: لماذا تحقق هذا المسار من بين جميع المسارات الأخرى الممكنة؟ وحين يبلغ العلم هذه المرحلة، فإنه لن يكون قد وسع فهمه للتطور فحسب، بل سيكون قد وسع أيضاً مفهوم المعرفة العلمية ذاتها، وأدخل دراسة الحياة إلى أفق إبستمولوجي جديد، يصبح فيه الواقع والإمكان شريكين في إنتاج الفهم، بعد أن ظل الواقع وحده، طوال قرون، يحتكر حق تفسير التاريخ.

أضف تعليق