المركزية بوصفها بصمة بشرية… معيار جديد للتمييز بين النص الإلهي والنص المؤنسن

من بين جميع التطبيقات التي يمكن أن يثمر عنها مفهوم فائض التمثّل، ربما لا يوجد تطبيق أكثر أهمية من اتخاذه معياراً لتشخيص الحضور الخفي للمركزية البشرية داخل النصوص الدينية التي خطها الانسان بيده. فالنصوص لا تكشف عن مصدرها من خلال ما تقوله فحسب، وإنما أيضاً من خلال الزاوية التي تنظر منها إلى الإنسان وإلى سائر البشر. فإذا كان النص صادراً عن الله تعالى، فإنه لا يمكن أن يخضع للانحيازات التي تحكم العقل البشري، ولا أن يعكس التحيزات التي نشأت عبر التاريخ بفعل العرق أو الجنس أو القومية أو الطبقة أو القوة. أما إذا كان النص نتاجاً للعقل الإنساني، فإن بصمات تلك التحيزات تكاد تظهر فيه بصورة يصعب إخفاؤها، مهما حاول صاحبه أن يضفي عليه مسحة من القداسة المزعومة.
ولعل القرآن الكريم يقدم أوضح مثال على هذه الحقيقة. فهو، على امتداد خطابه، لا يتبنى مركزية بشرية من أي نوع؛ فهو لا يخاطب العرب بوصفهم شعباً مختاراً، ولا يمنح جنساً بشرياً امتيازاً ذاتياً، ولا يجعل الغنى أو القوة أو النسب أو اللون أو اللغة سبباً للتفاضل بين الناس. بل أن خطابه يتجاوز الحدود الجغرافية والعرقية جميعها، ويتوجه إلى الإنسان بوصفه إنساناً، وإلى البشرية بوصفها أسرة واحدة تنحدر من أب واحد وأم واحدة. ومن آدم عليه السلام إلى آخر إنسان يشهد قيام الساعة، يبقى الجميع داخل الإطار الإنساني نفسه، من غير أن يحتكر أحد لنفسه منزلة فطرية أعلى من غيره. ولذلك لم يجعل القرآن معيار التفاضل قائماً على أي خاصية وراثية أو اجتماعية أو قومية، وإنما اختزل جميع صور التفاضل في معيار واحد لا يملكه أحد بالولادة ولا يرثه عن آبائه، وإنما يكتسبه بسلوكه واختياره، وهو التقوى. وبهذا المعيار تنهار جميع أشكال المركزية البشرية التي اعتاد الإنسان أن يبني عليها تصوراته عن نفسه وعن الآخرين. فلا العربي أفضل لأنه عربي، ولا الأعجمي أدنى لأنه أعجمي، ولا الذكر أرفع لأنه ذكر، ولا الأبيض أكرم لأنه أبيض، ولا الغني أقرب إلى الله لأنه غني. إن الجميع يقفون أمام الله على أرضية واحدة، لا يرفع أحدهم إلا عمله.
وهنا تحديداً تظهر القيمة التشخيصية لفائض التمثّل. فالعقل البشري، بعد خضوعه لسلطان التمثلات، يجد صعوبة بالغة في إنتاج خطاب يخلو من الانحياز؛ فهو بطبيعته يميل إلى أن يجعل الجماعة التي ينتمي إليها محور العالم، وأن يرى فيها النموذج الأكمل، وأن يضفي عليها صفات الاستحقاق والامتياز. ولهذا السبب تمتلئ النصوص البشرية، عبر التاريخ، بصور التمييز بين البشر، فتارةً يكون التفوق للعرق، وتارة للقومية، وتارة للقبيلة، وتارة للطبقة، وتارة للذكور، وتارة للأغنياء أو لأصحاب السلطان. وحتى حين تزعم هذه النصوص أنها إنما تتحدث بلسان الوحي، فإنها كثيراً ما تعيد إنتاج التصورات البشرية نفسها، ولكن بلغة دينية.
إن هذه الظاهرة ليست عرضاً جانبياً، وإنما هي أحد أهم آثار فائض التمثّل. فالإنسان لا يكتفي بوصف الواقع، بل يعيد تشكيله وفقاً لما يرغب في أن يكون عليه. وهو لا يكتفي بأن يحب جماعته، وإنما يسعى إلى منح هذا الحب شرعية مطلقة، فيجعل قومه أفضل الأقوام، أو لغته أقدس اللغات، أو جنسه أرقى الأجناس، أو طبقته أقرب الطبقات إلى الله. وهكذا تتحول الرغبات النفسية إلى عقائد، وتتحول الانحيازات الاجتماعية إلى نصوص، ثم تُنسب تلك النصوص إلى الدين.
ومن هنا يمكن اقتراح معيار تشخيصي جديد يضاف إلى المعايير التي سبق أن قدمها مفهوم فائض التمثّل، وهو معيار انتفاء المركزية. فكلما كان النص متحرراً من الانحيازات العرقية والجنسية والقومية والطبقية، واقترب من النظر إلى البشر بوصفهم متساوين في أصل الخلقة، كان ذلك أقرب إلى خصائص النص الإلهي، وكلما امتلأ النص بتقسيم البشر إلى مراتب ثابتة، ومنح الامتيازات لفئة دون أخرى لمجرد انتمائها، كان ذلك دليلاً على حضور العقل البشري بكل ما يحمله من تحيزات وتمثلات. ولا يعني ذلك أن النصوص البشرية تعجز عن الدعوة إلى العدل أو المساواة، وإنما يعني أنها، عندما تنفلت من رقابة الوحي، فإنها سرعان ما تعود إلى إعادة إنتاج مركزياتها الخاصة. فهذه نزعة تكاد تكون ملازمة للعقل الإنساني بعد خضوعه لفائض التمثّل؛ إذ يصعب عليه أن يرى العالم من خارج ذاته، وأن يتجرد تماماً من مصالحه وانتماءاته وهوياته.
ومن هذه الزاوية يغدو انتفاء المركزية إحدى العلامات الفارقة بين النص الإلهي والنص المؤنسن. فالله تعالى لا يحتاج إلى أن ينتصر لقبيلة، ولا إلى أمة، ولا إلى جنس، ولا إلى لون، لأنه رب الجميع على السواء. أما الإنسان، فإنه كثيراً ما يجعل من نفسه أو من جماعته مركزاً للوجود، ثم يعيد كتابة العالم كله انطلاقاً من هذا المركز. ولهذا فإن المركزية ليست مجرد انحياز أخلاقي، بل هي بصمة معرفية تكشف عن المصدر الذي صدر عنه النص.
وهكذا يفتح فائض التمثّل باباً جديداً أمام دراسة النصوص الدينية؛ إذ لا يقتصر دوره على كشف الإضافات السردية أو التوسعات التأويلية أو فائض التفاصيل، وإنما يمتد ليكشف الانحيازات العميقة التي تتسلل إلى النصوص عندما تصبح مرآةً للعقل البشري بدلاً من أن تكون تعبيراً عن الوحي الإلهي. وعندئذ يصبح انتفاء المركزية، إلى جانب الانضباط المعرفي والاقتصاد السردي وغياب فائض التمثّل، واحداً من أكثر المعايير موضوعية في الاستدلال على الأصل الإلهي للنص، وتمييزه من النصوص التي صاغها الإنسان تحت سلطان مخيلته وتمثلاته.

أضف تعليق