
ربما لا توجد، من بين جميع الظواهر التي استوقفت علماء النفس منذ نشأة هذا العلم، ظاهرة أشد حضورًا ولا أكثر استعصاءً على التفسير من ظاهرة العقد النفسية. فما من مدرسة نفسية كبرى إلا وجعلت منها محورًا لفهم الشخصية الإنسانية، وما من منهج علاجي إلا واضطر إلى التعامل مع آثارها، حتى غدت العقد النفسية إحدى أكثر السمات التصاقًا بالإنسان في كل زمان ومكان. ولقد كشفت البحوث النفسية، والدراسات الإكلينيكية، والشهادات الذاتية، أن الإنسان يحمل في داخله من الصراعات والانفعالات المكبوتة، ومشاعر النقص، والخوف، والذنب، والعار، والرفض، والغيرة، والحسد، والتعلق، ما يجعل الاتزان النفسي الكامل أقرب إلى الاستثناء منه إلى القاعدة.
غير أن هذا النجاح الكبير الذي حققته السايكولوجيا في وصف هذه العقد، وتصنيفها، وتحليل آثارها، لم يصحبه نجاح مماثل في الإجابة عن سؤال يبدو أكثر عمقًا من جميع الأسئلة السابقة: لماذا أصبح الإنسان الكائن البايولوجي الوحيد الذي يحمل هذا الكم الهائل من العقد النفسية؟ فما الذي حدث في تاريخه حتى صار كيانه النفسي بهذا القدر من التعقيد، بينما تبدو سائر الكائنات الحية أكثر انسجامًا مع ذواتها، وأكثر قدرة على التفاعل الطبيعي مع بيئاتها؟ إن التفسير الشائع يربط نشأة العقد النفسية بظروف الطفولة، أو بأساليب التربية، أو بالصدمات، أو بالحرمان، أو بسوء التنشئة الاجتماعية. لاريب أن هذه العوامل تترك آثارًا حقيقية في تكوين الشخصية، وأنها قد تزيد من شدة بعض الاضطرابات أو تخففها، غير أن هذا كله لا يفسر الظاهرة نفسها، وإنما يفسر فقط اختلاف درجاتها بين الأفراد. إذ لو كانت هذه العوامل هي وحدها المسؤولة عن العقد النفسية، لكان من المتوقع أن تبقى محصورة في فئات محددة تعرضت لظروف استثنائية، لا أن تصبح ظاهرة تكاد تشمل معظم أفراد النوع الإنساني، وإن اختلفت صورها وحدتها.
إن الإنسان، إذا أنصف نفسه، لا يحتاج إلى مختبر نفسي ليكتشف مقدار ما يعتمل في داخله من عقد دفينة. فقلّما يخلو إنسان من شعور بالنقص في جانب ما، أو من خوف غير مبرر، أو من رغبة في إثبات الذات، أو من حساسية مفرطة تجاه النقد، أو من حاجة إلى الاعتراف به، أو من إحساس بالذنب، أو من نزعة إلى المقارنة بالآخرين. وتتبدل أسماء هذه العقد وصورها، لكنها تشترك جميعًا في حقيقة واحدة، هي أن النفس الإنسانية فقدت شيئًا من اتزانها الأول.
وهنا يبرز سؤال لا تستطيع المقاربات النفسية التقليدية أن تجيب عنه بمفردها: لماذا الإنسان بالذات؟ ولماذا لا نجد في عالم الحيوان ما يماثل هذه الشبكة المعقدة من الصراعات الداخلية؟ فالحيوان قد يخاف، ويغضب، ويدافع عن نفسه، لكنه لا يعيش أسير شعور دائم بالدونية، ولا يؤرقه معنى الفشل، ولا يطارده الإحساس بالعار، ولا يقضي سنوات يحاول تعويض نقص متخيل، ولا يبني حياته كلها لإخفاء جرح نفسي قديم. إنه يعيش انفعالاته بوصفها استجابات وظيفية، ثم تنقضي بانقضاء أسبابها، دون أن تتحول إلى بنى نفسية دائمة تعيد تشكيل شخصيته.
ومن هنا يصبح السؤال ثبايولوجيًا قبل أن يكون سؤالًا نفسيًا. فما الذي أضافه التاريخ التطوري للإنسان حتى جعله الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يدخل في صراع مع نفسه؟ وما الذي جعل الوعي يتحول من وسيلة للتكيف إلى مصدر دائم للاضطراب؟
وفقًا للمقاربة الميتابايولوجية التي تقدمها نظرية الانعطافة التطورية الأولى، فإن العقد النفسية ليست ظاهرة مستقلة ظهرت عرضًا في التاريخ الإنساني، ولكنها إحدى النتائج الطبيعية لذلك التحول الجذري الذي نقل الإنسان من الإدراك الطبيعي المباشر إلى عالم فائض التمثّل. ففي اللحظة التي أصبحت فيها النفس الإنسانية قادرة على إنتاج صور ذهنية عن ذاتها، وعن الآخرين، وعن الماضي، وعن المستقبل، لم تعد هذه النفس تتعامل مع الواقع وحده، وإنما بدأت تتعامل مع تمثلاتها لذلك الواقع أيضًا. ومنذ تلك اللحظة أصبح الإنسان يعيش في عالمين متداخلين: العالم الخارجي كما هو، والعالم الداخلي كما يتخيله. وهنا يبدأ منشأ العقد النفسية. فالإنسان لا يتألم غالبًا من الواقع نفسه، بقدر ما يتألم من الصورة التي رسمها فائض التمثّل داخله عن ذلك الواقع. فالإنسان لا يخاف الفشل وحده، بل يخاف ما قد يعنيه الفشل في نظر الآخرين. ولا يحزن بسبب نقص حقيقي فحسب، وإنما بسبب صورة مثالية يقارن نفسه بها. ولا يشعر بالدونية لأنه أقل قدرة بالضرورة، وإنما لأنه يعيش داخل منظومة من المقارنات والتمثلات التي لا تنتهي. وبذلك تغدو العقد النفسية وجهاً آخر لفائض التمثّل. فهي ليست مجرد ذكريات مؤلمة بقيت عالقة في اللاوعي، ولكنها تعبير عن اختلال أعمق أصاب البنية النفسية للإنسان منذ اللحظة التي خرج فيها من حالة الانسجام البايولوجي مع الطبيعة إلى حالة الوعي المتضخم بذاته. وكلما ازداد فائض التمثّل حضورًا، ازدادت قدرة الإنسان على إنتاج عقد جديدة، حتى لو لم يتعرض لصدمات استثنائية.
ولعل هذا هو ما يفسر ذلك التناقض اللافت في الشخصية الإنسانية. فالإنسان هو أكثر الكائنات قدرة على الإبداع، لكنه أيضًا أكثرها عرضة للانهيار النفسي. وهو أكثرها قدرة على الحب، لكنه أكثرها إنتاجًا للكراهية. وهو أكثرها قدرة على التعاون، لكنه أكثرها افتعالًا للصراعات. وهو أكثرها ذكاءً، لكنه أكثرها تعقيدًا واضطرابًا من الناحية النفسية. وهذه المفارقات ليست أحداثًا متفرقة، بل قد تكون جميعها وجوهًا متعددة لحدث تطوري واحد.
ومن هذا المنظور، فإن العقد النفسية لا تمثل مرضًا طارئًا أصاب بعض البشر، وإنما تكشف عن درجة من اختلال الاتزان النفسي أصبحت سمة عامة في الشخصية الإنسانية، تختلف شدتها بين الأفراد لكنها تعود، في أصلها، إلى قابلية مشتركة. فالذي يختلف بين الناس ليس وجود هذه القابلية، بل مقدار ما تتخذه من صور وأعراض تحت تأثير الوراثة والبيئة والخبرة الشخصية. ولا يعني ذلك التقليل من قيمة العلاج النفسي أو من أثر التربية والبيئة، بل يعني أن هذه العوامل تعمل فوق أرضية أعمق سبقتها جميعًا. فهي قد تزيد من حدة العقد أو تخففها، لكنها لا تفسر أصل قابلية الإنسان لإنتاجها.
ومن هنا تقترح الميتابايولوجيا أن السؤال الذي ينبغي أن يسبق جميع أسئلة علم النفس ليس “كيف نشأت هذه العقد؟”، ولا “كيف نعالجها؟”، ولكن: لماذا أصبح الإنسان أصلًا الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يحمل كل هذه العقد؟ فإذا أمكن الإجابة عن هذا السؤال، أمكن عندئذ إعادة بناء فهم جديد للشخصية الإنسانية، لا يكتفي بوصف أعراضها، بل يحاول تفسير منشئها التطوري. وهكذا، فإن العقد النفسية، في ضوء هذه المقاربة الجديدة، ليست مجرد صفحات مؤلمة في السيرة الفردية لكل إنسان، ولكنها قد تكون آثارًا بعيدة لذلك الحدث التطوري الذي غيّر مسار النوع الإنساني كله. فإذا كانت الانعطافة التطورية الأولى، بحسب هذه الفرضية، هي التي أطلقت فائض التمثّل، فإن كثيرًا من الصراعات النفسية التي تثقل الإنسان اليوم يمكن النظر إليها بوصفها امتدادات لذلك التحول الأول؛ وهو التحول الذي منح الإنسان عبقرية لم يعرفها أي كائن بايولوجي قبله، لكنه حمّله، في الوقت نفسه، أعباءً نفسية لم يحملها أي كائن آخر. ومن هنا، قد لا يكون الطريق إلى فهم العقد النفسية هو الاكتفاء بالعودة إلى طفولة الفرد، بل العودة، على مستوى الفرضية الميتابايولوجية، إلى طفولة الإنسانية ذاتها، حيث بدأت القصة الأولى التي ما تزال آثارها تتردد في أعماق النفس البشرية حتى اليوم.
