الإنسان بوصفه استثناءً تطورياً… إعادة تعريف أصل الإنسان

من بين جميع الأسئلة التي شغلت الفكر الإنساني منذ نشأة العلوم الحديثة، ربما لا يوجد سؤال أكثر حضوراً من سؤال أصل الإنسان. فمنذ أن بدأت البايولوجيا التطورية بإعادة رسم شجرة الحياة، انصب اهتمام العلماء على تتبع السلسلة التي انتهت بظهور الإنسان العاقل، وعلى تحديد موقعه بين سائر الرئيسيات، ورصد التحولات التشريحية والوراثية التي قادت إلى ظهوره. وقد أثمرت هذه الجهود عن معرفة دقيقة بتاريخ الإنسان البايولوجي، حتى غدا من الممكن إعادة بناء كثير من مراحل تطوره بدرجة عالية من الثقة.
غير أن هذا النجاح العلمي الكبير ربما يكون قد حجب سؤالاً آخر لا يقل دلالة، بل ربما كان أكثر جوهرية من السؤال الأول؛ فمعرفة الطريق الذي أوصلنا إلى الإنسان لا تجيب بالضرورة عن السؤال الذي يحدد حقيقة الإنسان نفسه. إذ يبقى السؤال قائماً: هل يكفي أن نعرف من أين جاء الإنسان لكي نفهم لماذا أصبح مختلفاً إلى هذا الحد عن جميع الكائنات التي سبقته؟
لقد اعتادت البايولوجيا التطورية أن تبحث عن الإنسان في الماضي، أي في أسلافه. ولذلك ركزت اهتمامها على الحلقات التي تربطه بالكائنات السابقة، وعدّت كل خاصية بشرية امتداداً تدريجياً لخاصية أقدم منها. وبهذا أصبحت الاستمرارية هي المبدأ المنهجي الذي يحكم تفسير الظاهرة الإنسانية بأسرها. ولا شك أن هذا المنهج كان، ولا يزال، بالغ القيمة في تفسير الأصل البايولوجي للإنسان. غير أن وجود استمرارية في البنية لا يستلزم بالضرورة وجود استمرارية في الوظيفة. فقد تبقى المادة واحدة، بينما تتغير كيفية عملها تغيراً يجعلها تنتج خصائص لم تكن موجودة من قبل. وكما أن إعادة تنظيم العناصر نفسها قد تفضي إلى ظهور نظام جديد يختلف في خصائصه عن مكوناته، فإن إعادة تنظيم الوظائف قد تجعل الكائن يبدو وكأنه دخل مرحلة جديدة من الوجود.
وهنا تحديداً تبرز القيمة الكبرى لفرضية الانعطافة التطورية الأولى؛ إذ أنها لا تنكر القرابة البايولوجية بين الإنسان وسائر الكائنات، ولا تجادل في التاريخ التطوري الذي سبق ظهوره، وإنما تقترح أن السؤال عن أصل الإنسان لا ينبغي أن يتوقف عند البحث عن آخر سلف مشترك، بل يجب أن يمتد إلى البحث عن اللحظة التي تغيرت فيها كيفية عمل العقل الإنساني نفسه. فإذا صح أن الإنسان خضع لتحول نوعي أفضى إلى ظهور ما أسميناه فائض التمثّل، فإن هذا التحول لا يمثل مجرد إضافة إلى القدرات السابقة، بل يمثل انتقالاً إلى نمط مختلف من الإدراك. ومنذ تلك اللحظة لم يعد الإنسان يعيش داخل الواقع وحده، ولكنه أصبح يعيش داخل شبكة متشابكة من التصورات، والرموز، والتأويلات، والاحتمالات، والغايات المتخيلة.
وهنا يصبح السؤال عن أصل الإنسان مختلفاً جذرياً عما كان عليه من قبل. فبدلاً من أن نسأل: متى وقف الإنسان على قدميه؟ أو متى كبر دماغه؟ أو متى تعلم استخدام الأدوات؟ يصبح السؤال: متى بدأ العقل يعمل بطريقة تختلف عن الطريقة التي تعمل بها عقول بقية الكائنات؟
إن هذا التحول في صياغة السؤال يغير طبيعة البحث كله. فالمشكلة لم تعد تحديد تاريخ ظهور عضو من الأعضاء، أو قياس حجم الجمجمة، أو مقارنة الشفرة الوراثية، وإنما أصبحت البحث عن الحدث الذي نقل الإدراك من الانضباط بالواقع إلى القدرة على تجاوزه بصورة دائمة.
ولعل هذا هو السبب الذي يجعل الإنسان يبدو من ناحية امتداداً طبيعياً للتطور، ومن ناحية أخرى هو أكثر الكائنات انفصالاً عنه. فالانسان يشترك مع غيره من الكائنات البايولوجية في البنية الأساسية للحياة، لكنه يفترق عنها في الطريقة التي يبني بها عالمه الذهني. وهذا ما يفسر تلك المفارقة التي حيّرت العلماء طويلاً: كيف استطاع كائن ينتمي بايولوجياً إلى الطبيعة أن يصبح أكثر الكائنات قدرة على الخروج على قوانينها؟
إن الحرب، والأسطورة، والفلسفة، والاقتصاد الرمزي، والتعصب، والإبداع الفني، والقلق الوجودي، والبحث عن المعنى، ليست ظواهر يمكن تفسيرها بسهولة من خلال الاحتياجات البايولوجية المباشرة؛ إذ أنها جميعاً تنتمي إلى عالم لا تفسره الغرائز وحدها، وإنما يتطلب فهماً للطريقة التي أصبح بها العقل ينتج واقعاً موازياً للواقع الطبيعي.
ومن هنا، فإن أصل الإنسان، وفق هذه الرؤية، لا ينبغي أن يختزل في أصله الوراثي، وإنما يجب أن يشمل أصله الوظيفي أيضاً. فالإنسان لم يصبح إنساناً لمجرد أنه اكتسب صفات جسدية جديدة، وإنما لأنه أصبح يدرك نفسه والعالم من خلال منظومة ذهنية لم تكن موجودة بالصورة نفسها من قبل. ولا يعني ذلك أن هذا التحول كان خيراً خالصاً أو شراً خالصاً. فهو التحول الذي أتاح للإنسان أن يبدع العلوم والفنون والحضارات، لكنه هو نفسه الذي جعله يعرف الحروب العقائدية، والاستغلال، والتعصب، والإدمان، والشعور بالذنب، والقلق، والصراع الداخلي؛ ففي اللحظة التي منحت الطبيعة الإنسان قدرة غير مسبوقة على تجاوز الواقع، ظهر شيء آخر غير طبيعي منحه القدرة على معاناة لم تعرفها الكائنات الأخرى. ولهذا فإن فهم أصل الإنسان لا يقتضي دراسة ما اكتسبه من قدرات فحسب، بل دراسة الثمن الذي دفعه مقابل امتلاكها. فكل تحول تطوري كبير حمل معه مكاسب وخسائر، ولا يمكن فهم أحدهما بمعزل عن الآخر.
وهنا تتجاوز النظرية مرة أخرى حدود البايولوجيا التطورية، لتدخل في حوار مع الأنثروبولوجيا، وعلم النفس التطوري، وفلسفة العقل، وسوسيولوجيا الدين، وتاريخ الحضارات. فهي تقترح أن كثيراً من الظواهر التي دُرست كل واحدة منها في حقل مستقل، قد تكون جميعها نتائج مختلفة لتحول واحد أصاب البنية الوظيفية للعقل الإنساني. ولو ثبت أن هذا الإطار يمتلك قدرة تفسيرية تجمع بين هذه الظواهر في نسق واحد، فإن السؤال عن أصل الإنسان لن يعود مقصوراً على البحث عن عظام الأسلاف، أو تحليل الجينات، أو مقارنة الرئيسيات، بل سيصبح بحثاً عن اللحظة التي بدأ فيها الإنسان يعيش داخل عالمين في آن واحد: عالم الطبيعة، وعالم التمثلات غير الطبيعية. وربما يكون هذا هو المعنى الحقيقي لاعتبار الإنسان “استثناءً تطورياً”؛ فالانسان ليس استثناءً لأنه خرج من الطبيعة، إذ لم يخرج منها قط، وليس استثناءً لأنه فقد صلته بماضيه البايولوجي، فهذه الصلة لا تنقطع، وإنما هو استثناء لأن طريقة عمل عقله، وفق هذه الفرضية، أصبحت تنتج واقعاً جديداً لم تعرفه بقية الكائنات بالكيفية نفسها. وعندئذ يصبح البحث في أصل الإنسان أكثر من بحث في الماضي؛ إنه يصبح بحثاً في طبيعة الإنسان نفسها. وحين نفهم طبيعة هذا التحول، ربما نكون قد اقتربنا من الإجابة عن السؤال الذي ظل يرافق الفكر الإنساني منذ آلاف السنين، وهو ليس من أين جاء الإنسان، بل ما الذي جعله الإنسان الذي نعرفه اليوم؟

أضف تعليق