أنثروبولوجيا الإنسان البديل… حين يصبح الكائن الذي لم يوجد أداةً لفهم الإنسان الموجود

من بين جميع المناهج التي اعتمدتها الأنثروبولوجيا الحديثة لفهم الإنسان، ربما لا يوجد منهج أكثر رسوخاً من مقارنة الإنسان بغيره. فمنذ بدايات هذا العلم، اتجه الباحثون إلى دراسة المجتمعات البشرية المختلفة، ثم توسعت المقارنة لتشمل الرئيسيات، وسائر الكائنات الحية، أملاً في الوقوف على الخصائص التي تميز الإنسان عن غيره. وقد أثمرت هذه المقارنات معرفة واسعة بتاريخ النوع البشري، وبالتنوع الثقافي، وبالروابط التطورية التي تجمع الإنسان بالكائنات البايولوجية الأخرى. غير أن جميع هذه المقارنات، على اختلاف موضوعاتها، اشتركت في افتراض واحد ظل حاضراً في خلفيتها المنهجية؛ وهو أن موضوع المقارنة يجب أن يكون موجوداً بالفعل. فالأنثروبولوجي يقارن بين شعوب حية، أو بين حضارات تركت آثارها، أو بين أنواع عاشت فعلاً على الأرض، لكنه لا يجعل من كائن لم يوجد قط موضوعاً للبحث العلمي.
ولعل هذا الافتراض كان طبيعياً في زمن لم تكن فيه أدوات العلم قادرة على بناء نماذج افتراضية معقدة يمكن اختبارها ومقارنتها بعضها ببعض. أما اليوم، فإن التطور الكبير في النمذجة الحاسوبية، والذكاء الاصطناعي، والبايولوجيا المقارنة، قد جعل من الممكن أن نتعامل مع بعض النماذج الافتراضية بوصفها أدوات معرفية، وليس بوصفها مجرد خيالات أدبية.
ومن هنا تبرز القيمة المنهجية لما يمكن تسميته “الإنسان البديل”. فهذا الكائن ليس ادعاءً بوجود نوع آخر من البشر عاش في الماضي، ولا محاولة لكتابة تاريخ موازٍ للتاريخ الحقيقي، وإنما هو نموذج افتراضي يُبنى انطلاقاً من سؤال علمي محدد: كيف كان يمكن أن يبدو الإنسان لو استمر التطور في مساره الطبيعي، ولم تقع الانعطافة التطورية الأولى؟ فالقيمة الدلالية لهذا السؤال لا تكمن في الوصول إلى صورة يقينية لذلك الإنسان، فذلك أمر قد لا يكون ممكناً، وإنما في استخدام هذه الصورة الافتراضية بوصفها مرآة تكشف خصائص الإنسان كما نعرفه. فكما يستطيع الطبيب أن يفهم وظيفة عضو من خلال دراسة ما يحدث عند غياب هذا العضو، كذلك يستطيع الباحث أن يفهم الإنسان بصورة أدق عندما يقارنه بإنسان لم يوجد، ولكنه كان من الممكن أن يوجد من حيث المبدأ.
وهنا يتحول الغياب نفسه إلى مصدر للمعرفة. فما لم يحدث قد يصبح، في بعض الأحيان، أكثر قدرة على تفسير ما حدث من الوقائع نفسها وذلك لأن المقارنة بين النموذجين تسمح بعزل المتغيرات، والكشف عن مقدار تأثير كل واحد منها في النتيجة النهائية. ولنفرض، على سبيل المثال، أن الإنسان البديل لم يعرف فائض التمثّل. عندئذ يصبح من الممكن أن نسأل: أي تجليات الظاهرة الإنسانية كانت ستختفي معه؟ وهل كانت الأساطير لتنشأ أصلاً؟ وهل كانت الأدإيديولوجيات ستظهر؟ وهل كانت الحروب العقائدية، والاقتصادات الرمزية، والقلق الوجودي، والصراعات النفسية، لتظهر الى الوجود اساساً؟
إن هذه الأسئلة لا تهدف إلى استبدال الوقائع بالتخمينات، وإنما إلى اختبار القدرة التفسيرية للفرضية. فإذا تبين أن إزالة متغير واحد من النموذج تؤدي إلى اختفاء عدد كبير من الظواهر التي تبدو متفرقة، فإن ذلك يمنح الفرضية قيمة تفسيرية تستحق الدراسة والاختبار. وهذا هو المنهج الذي تعتمده العلوم الطبيعية في كثير من فروعها. فالعالِم لا يدرس النظام كما هو فقط، بل يغير أحد عناصره ليرى كيف يتغير النظام بأكمله. ومن خلال هذه المقارنة يستطيع أن يحدد وظيفة ذلك العنصر ودوره في إنتاج الظاهرة.
ولعل الأنثروبولوجيا تستطيع أن تستفيد من المنهج نفسه. فبدلاً من الاقتصار على مقارنة الإنسان بإنسان آخر، أو بمجتمع آخر، أو برئيسيات أخرى، يصبح من الممكن أن تقارن الإنسان الحالي بنموذج إنساني افتراضي، تختلف عنه خاصية واحدة محددة، ثم تدرس النتائج التي تترتب على هذا الاختلاف.
وعند هذه النقطة، تتجاوز الأنثروبولوجيا حدود الوصف التقليدي لتصبح أقرب إلى علم النماذج الإنسانية. فهي لا تكتفي بتسجيل ما هو موجود، ولكنها تبني نماذج ممكنة، وتقارن بينها، وتحاول أن تكتشف أيُّها يمتلك أكبر قدرة على تفسير الوقائع المعروفة.
وقد يبدو هذا المنهج جديداً على الأنثروبولوجيا، لكنه ليس غريباً عن علوم أخرى. فالفيزياء تبني نماذج افتراضية، والاقتصاد يحاكي سيناريوهات لم تقع، وعلوم المناخ تتنبأ بمسارات متعددة، والذكاء الاصطناعي ينتج نماذج يمكن اختبارها ومقارنتها. وليس ثمة ما يمنع، من حيث المبدأ، من أن تدخل دراسة الإنسان هي الأخرى هذا الأفق المنهجي.
ومن هنا فإن “الإنسان البديل” لا يمثل غاية البحث، وإنما هو وسيلته؛ إذ أنه ليس موضوعاً مستقلاً، بل هو أداة تحليل تساعد على إعادة قراءة “الإنسان الواقعي” الذي نعرفه. فكلما ازداد النموذج الافتراضي اتساقاً مع قوانين الحياة، وكلما استطاع تفسير عدد أكبر من الظواهر الإنسانية عند مقارنته بالنموذج الفعلي، ازدادت قيمته العلمية.
ولعل أهم ما يميز هذا المنهج هو أنه يحرر البحث الأنثروبولوجي من أسر الوصف التاريخي؛ فالتاريخ يخبرنا بما وقع، لكنه لا يخبرنا دائماً لماذا وقع هذا المسار دون غيره. أما المقارنة بين الواقع والإمكان، فإنها تجعل هذا السؤال قابلاً للبحث؛ إذ أنها تضع أمام الباحث أكثر من مسار، ثم تدعوه إلى تفسير أسباب تحقق أحدها دون سواه.
وعلى ضوء فرضية الانعطافة التطورية الأولى، يصبح الإنسان البديل أقرب إلى نموذج ضابط في تجربة فكرية واسعة النطاق. فكما يحتاج الباحث في العلوم التجريبية إلى مجموعة ضابطة يقارن بها نتائج تجربته، يحتاج الباحث في دراسة الإنسان إلى نموذج مرجعي يقيس من خلاله مقدار التحول الذي طرأ على النوع البشري. والإنسان الذي لم يخضع، افتراضاً، لذلك التحول، يؤدي هذا الدور المنهجي.
وهنا يبرز أثر هذه المقاربة في علوم أخرى كثيرة. فهي تمنح البايولوجيا التطورية أداة جديدة لفهم القطيعة الوظيفية بين الانسان كما نعرفه وماضيه التطوري المتواشج مع الماضي التطوري الحيواني، وتمنح علم النفس التطوري معياراً للمقارنة بين السلوك الطبيعي والسلوك الناشئ عن فائض التمثّل، وتفتح أمام سوسيولوجيا الدين مجالاً لدراسة العلاقة بين البنية الذهنية ونشأة النظم الرمزية، كما تقدم لفلسفة الإنسان نموذجاً جديداً للتفكير في ماهية الإنسان وحدود تميزه.
ولعل هذا هو الجانب الأكثر طموحاً لهذه الرؤية؛ فهي لا تطلب من الأنثروبولوجيا أن تتخلى عن مناهجها الراسخة، وإنما تدعوها إلى توسيع أدواتها البحثية، بحيث لا تدرس الإنسان من خلال ما كان فقط، بل أيضاً من خلال ما كان يمكن أن يكون. فالمعرفة لا تنشأ دائماً من الوقائع وحدها، بل قد تنشأ أيضاً من المقارنة الدقيقة بين الوقائع والإمكانات.
وربما يأتي يوم يصبح فيه بناء “الإنسان البديل” ممارسة علمية مألوفة تعتمد على قواعد الوراثة، والبايولوجيا المقارنة، وعلم الأعصاب، والذكاء الاصطناعي، تماماً كما أصبحت محاكاة المناخ أو محاكاة الجينوم جزءاً من أدوات البحث المعاصرة. وعندئذ لن يكون هذا الكائن الافتراضي مجرد فكرة فلسفية، بل سيغدو مختبراً معرفياً يساعدنا على فهم الإنسان الذي نعرفه فهماً أعمق، ويكشف لنا أن الطريق إلى معرفة الواقع قد يمر أحياناً عبر دراسة ما لم يصبح واقعاً قط.

أضف تعليق