
من بين جميع الخصائص التي طبعت التفكير الإنساني عبر تاريخه الطويل، ربما لا توجد خاصية أكثر حضورًا من ميل العقل إلى تنظيم العالم في صورة أزواج متقابلة. فالإنسان لا يكاد يواجه ظاهرة من ظواهر الوجود إلا ويبادر إلى البحث عن ضدها؛ فإذا وجد نورًا بحث عن ظلام، وإذا أدرك حياةً بحث عن موت، وإذا عرف خيرًا افترض وجود شر يقابله، وإذا رأى نظامًا تخيل وجود فوضى تقف بإزائه. حتى ليبدو وكأن العقل لا يطمئن إلى فهم شيء إلا إذا وجد له نقيضًا يحدده ويعرّفه. ولقد ظل هذا الميل حاضرًا في الفلسفات القديمة، وفي الأساطير، بل وحتى في كثير من النظريات العلمية والفلسفية الحديثة. ولم يكن ذلك لأن الوقائع نفسها تفرض هذا التقابل، وإنما لأن العقل الإنساني اعتاد أن يفكر بهذه الطريقة، حتى غدت الثنائية إحدى عاداته المعرفية الراسخة.
غير أن السؤال الذي لم يُطرح بما يكفي هو: هل الوجود نفسه متناظر إلى هذا الحد، أم أن العقل هو الذي يفرض عليه هذا التناظر؟
إن نظرية الانعطافة التطورية الأولى تقترح أن هذا الميل ليس خاصية من خصائص الكون، وإنما هو أحد الآثار المباشرة لفائض التمثّل. فمنذ أن خرج الإنسان من براءته البايولوجية، لم يعد يتعامل مع الوقائع كما هي، وإنما أصبح يعيد تنظيمها داخل قوالب رمزية تجعل العالم أكثر قابلية للفهم، ولو على حساب دقة هذا الفهم. فالذهن البشري لا يحب التعقيد؛ إذ أنه يميل دائمًا إلى الاقتصاد المعرفي، وإلى اختزال الشبكات المعقدة من الأسباب والنتائج في صور يسهل حفظها واستدعاؤها. ومن هنا أصبحت الثنائية واحدة من أكثر الأدوات الذهنية قدرة على تبسيط الواقع. فالواقع ليس أبيض أو أسود، لكنه يصبح كذلك داخل الذهن. والإنسان ليس خيرًا أو شريرًا على نحو مطلق، لكنه يُختزل في أحد الوصفين. والأفكار لا تكون صحيحة أو باطلة دائمًا، لكن العقل يفضل التعامل معها كما لو أنها كانت كذلك. وهكذا تتحول الحياة، بكل ما فيها من درجات واحتمالات واستثناءات، إلى مجموعة من الثنائيات الحادة التي تمنح الإنسان شعورًا زائفًا بأنه أحاط بالعالم فهماً. غير أن الطبيعة نفسها لا تبدو وكأنها تشارك الإنسان هذا الميل، فلا توجد حدود فاصلة في الطبيعة بين الليل والنهار، بل انتقال تدريجي نسميه الفجر والغسق. ولا توجد لحظة واحدة يتحول فيها الطفل فجأة إلى بالغ، بل سلسلة طويلة من التحولات المتصلة. ولا يوجد حد قاطع بين الصحة والمرض، وإنما درجات متفاوتة من الكفاءة الوظيفية. ولا يوجد في التطور البايولوجي انتقال لحظي بين نوع وآخر، بل تغيرات تراكمية تمتد عبر أزمنة طويلة.
إن الطبيعة، حيثما نظرنا إليها، تكشف عن الاستمرارية أكثر مما تكشف عن الانقسام، وعن التدرج أكثر مما تكشف عن القطيعة، وعن “الطيفية” أكثر مما تكشف عن الثنائية. أما العقل البشري، فإنه يعيد تقطيع “الطيف” إلى أقسام متقابلة، لأنه يجد في ذلك راحة معرفية أكبر.
ولعل هذا ما يفسر كثرة الثنائيات التي أنتجتها الثقافة الإنسانية؛ العقل والجسد، المادة والروح، الشرق والغرب، الصديق والعدو، التقدم والتخلف، المحافظة والحداثة… حتى أصبح الإنسان يعيش داخل عالم من التصنيفات أكثر مما يعيش داخل عالم الوقائع. وليس معنى ذلك أن جميع هذه المفاهيم باطلة، وإنما يعني أن الحدود الفاصلة بينها ليست دائمًا بالوضوح الذي يتخيله العقل. إن أخطر ما يفعله فائض التمثّل هو أنه لا يكتفي بإنتاج التصنيفات، بل يقنع الإنسان بأنها موجودة في الخارج تمامًا كما يراها في داخله. وهكذا تتحول الخرائط الذهنية إلى حقائق وجودية، ويصبح من يعترض عليها وكأنه يعترض على الواقع نفسه، مع أنه قد يكون معترضاً على طريقة تمثل هذا الواقع فحسب. ومن هنا نشأت كثير من الصراعات الفكرية والعقائدية والسياسية. فكل فريق يتصور أن التقسيم الذي رسمه للعالم هو التقسيم الحقيقي، وأن من يخالفه إنما يخالف الواقع. ولو تحرر الإنسان قليلًا من سلطان فائض التمثّل، لأدرك أن الوجود هو أكثر ثراءً من أن يُختزل في ثنائيات، وأكثر اتساعًا من أن يُحاصر بين ضدين، وأكثر تعقيدًا من أن تُفسره مقابلات ذهنية صنعها العقل لراحته هو، وليس لأنها من طبيعة الأشياء ذاتها.
وربما كان من أعظم ما يمكن أن تقدمه الميتابايولوجيا أنها تدعو الإنسان إلى الانتقال من التفكير الثنائي إلى التفكير البنيوي؛ من البحث عن الأضداد إلى البحث عن العلاقات، ومن اختزال العالم في قطبين متقابلين إلى فهمه بوصفه شبكة متصلة من الظواهر المتداخلة؛ فعندما يتحرر العقل من هوسه بالتناظر، يبدأ لأول مرة في رؤية العالم كما هو، وليس كما اعتاد أن يتخيله.
