
من بين جميع الصفات التي تجعل الإنسان لغزًا مفتوحًا على الحيرة، لعل من أكثرها إثارةً للذهول هذه القدرة الفذّة على أن يكون قاسي القلب إلى حدٍّ يكاد يخرج به من حدود ما يمكن تصوّره في أي كائن حي آخر. فالإنسان لا يكتفي بأن يؤذي، ولا بأن يعتدي، ولا بأن يخاصم، بل يستطيع، في لحظة من لحظات انكساره الوجودي أو انفلاته العدواني، أن يتحوّل إلى كائن يباشر القسوة بوعي، ويطيل ممارستها، ويتفنّن في توجيهها، بل وقد يصبّها على أقرب الناس إليه: على من أحبّه بالأمس، أو عاشره، أو تشارك معه الذكريات والوعود والضعف الإنساني نفسه. وهنا يبرز السؤال الذي لا تكفّ التجربة الإنسانية عن فرضه علينا: ما خطب الإنسان؟ وكيف أمكن لهذا الكائن أن يبلغ من القسوة مبلغًا لا يبلغه الحيوان، مع أن السردية التطورية السائدة تصرّ على أن ماضيه ليس إلا استمرارًا متصلاً لماضيه الحيواني؟
إن هذا السؤال لا يزداد إلحاحًا حين نتأمل الحروب والمجازر فحسب، بل حين ننظر أيضًا إلى أكثر العلاقات حميميةً وقربًا: إلى الأب الذي يقسو على ابنه، والابن الذي يهجر أمّه، والزوج الذي يذلّ زوجته، والصديق الذي ينقلب على صديقه، والإنسان الذي يستطيع أن يطعن من كان بالأمس موضع مودّته وعشقه وثقته. ففي هذه المواطن بالذات يتجلّى ما في الإنسان من قدرة على ممارسة قسوة لا تبدو مجرد انفعال عابر، ولا مجرد استجابة غريزية لموقف ضاغط، بل تبدو أقرب إلى اختلال بنيوي أصاب هذا الكائن في صميم تكوينه النفسي والوجودي، وجعله قادرًا على أن يعلّق الرحمة، ويعطّل الشفقة، ويُسكت نداء القرابة والذكرى والعِشرة، ثم يتصرّف كما لو أن قلبه قد فقد وظيفته الأصلية، أو كما لو أنه لم يعد قلبًا بالمعنى الذي يُبقي الكائن متصلاً بحدّه الطبيعي.
ولعل القرآن الكريم قد قدّم، في آية واحدة، وصفًا بالغ الكثافة والدقة لهذا الانقلاب حين قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالحِجارَةِ أَو أَشَدُّ قَسوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأَنهارُ وَإِنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخرُجُ مِنهُ الماءُ وَإِنَّ مِنها لَما يَهبِطُ مِن خَشيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعمَلونَ﴾ [البقرة: 74]. فهذه الآية لا تصف مجرد قسوة أخلاقية عارضة، ولا تتحدث عن موقف نفسي محدود، بل تكاد تضع يدها على الخاصية الإنسانية الأكثر رعبًا والمتمثلة في قدرة القلب الإنساني على أن يبلغ من القسوة حدًّا تتفوّق فيه قسوته على الجماد نفسه. وليس من قبيل المبالغة البلاغية أن تُقارَن القلوب بالحجارة، ثم يُقال إنها قد تكون أشدّ قسوة منها؛ لأن الآية نفسها تسارع إلى بيان أن الحجارة، على صلابتها، ليست كتلةً من الانغلاق المطلق: فمنها ما يتفجّر منه الماء، ومنها ما يتشقّق فيخرج منه الماء، ومنها ما يهبط من خشية الله. أمّا القلب الإنساني حين يقسو، فإنه قد يبلغ حالةً من الانسداد أشدّ من انسداد الحجر، لأنه لا يعود فقط صلبًا، بل يصير ممتنعًا عن الانفعال بالحق، وعن الاستجابة للرحمة، وعن الارتداد إلى فطرته.
ومن هنا فإن السؤال لا يعود: لماذا يقسو الإنسان أحيانًا؟ بل يصبح: ما الذي جعل الإنسان الكائن الأكثر قابلية لأن يكون قاسي القلب؟ وما الذي يجعل قسوته تختلف نوعيًّا عن كل ما قد نسمّيه، على سبيل التجوّز، قسوةً في عالم الحيوان؟
إن المقاربة الميتابايولوجية، كما تقترحها نظرية الانعطافة التطورية الأولى، تسمح لنا بأن نقرأ هذه الظاهرة قراءةً تتجاوز التفسيرات النفسية والاجتماعية المعتادة، من غير أن تنكر قيمتها الجزئية. فالمشكلة في الإنسان، وفق هذا المنظور، لا تكمن في أنه ورث العدوان من ماضيه الحيواني، بل في أن هذا العدوان نفسه خرج عند الإنسان من حدود الاقتصاد الطبيعي الذي كان يضبطه في عالم الحيوان، ودخل في اقتصاد جديد هو اقتصاد التمثّل؛ أي الاقتصاد الذي نشأ عندما أُصيب الإنسان بما يمكن تسميته فائض التمثّل. ومنذ تلك اللحظة لم يعد الإنسان يتعامل مع الواقع كما هو، بل صار يتعامل أيضًا، وبصورة متزايدة، مع الصور الذهنية، والظنون، والإسقاطات، والرموز، والذكريات، والتأويلات، والسيناريوهات المتخيلة، والجرح النرجسي، ومخاوف الإهانة، ورغبات الانتقام، وصور الذات التي يريد حمايتها أو تضخيمها أو الثأر لها.
وفي عالم الحيوان يبقى العدوان، مهما اشتد، خاضعًا في الغالب لوظيفة محددة: الدفاع عن النفس، حماية الصغار، حماية المجال الحيوي، التنافس على التزاوج، أو ترتيب الهيمنة داخل الجماعة؛ وهو عدوان، على شدّته أحيانًا، يظل مربوطًا بحاجات البقاء، ومحكومًا بسقف بيولوجي واضح. فالحيوان لا يعذّب ضحيته لأنه شعر بالإهانة قبل عشر سنوات، ولا يبطش بفرد من نوعه لأنه لم يحتمل نجاحه، ولا يهين شريكه لأنه جرح صورته أمام نفسه، ولا يشنّ حربًا لأن ذاكرته الرمزية أو هويته المتخيلة أو نرجسيته الجماعية طلبت ذلك. إن الحيوان يعتدي حين تدفعه ضرورات الحياة المباشرة، ثم ينتهي الأمر في الغالب بانتهاء السبب. أما الإنسان فقد أصبح، بفعل فائض التمثّل، قادرًا على أن يكره على نحوٍ لا علاقة له بالحاجة الطبيعية، وأن يقسو بدافعٍ من معنىً متخيَّل، أو صورة مجروحة، أو وهم تفوق، أو إحساس بالإهانة، أو رغبة في محو الآخر لأنه يذكّره بنقصه أو يهدد السردية التي بناها عن نفسه.
وهنا تحديدًا تبدأ القسوة الإنسانية في الانفصال عن أصلها الحيواني. فالإنسان لا يقسو فقط لأنه غاضب، بل لأنه يتخيّل، ويتذكّر، ويؤوّل، ويُسقِط، ويُضخِّم، ويعيد بناء الواقع داخل ذهنه على نحو يجعله يعيش داخل عالم ثانٍ موازٍ للعالم الحقيقي. وهذا العالم الثاني هو عالم التمثلات؛ وهو الذي يفسّر لماذا يستطيع الإنسان أن يتحوّل إلى كائن قاسٍ حتى تجاه من أحبّهم. فحين يدخل الآخر إلى الذهن الإنساني لا يبقى مجرد إنسان من لحم ودم وتاريخ مشترك، بل يتحول إلى موضوع تمثلي: إلى مرآة للذات، أو مصدر تهديد لها، أو شاهد على نقصها، أو أداة لإشباعها، أو ساحة لتصفية حساباتها. ومنذ تلك اللحظة يصبح من الممكن أن يُمحى الشخص الحقيقي لصالح الصورة التي بناها الذهن عنه، وأن تُمارَس القسوة على الصورة من خلال الشخص، أو على الشخص لأن صورته داخل الذهن أصبحت موضع كراهية أو احتقار أو انتقام.
وهذا ما يفسّر، على سبيل المثال، كيف يستطيع إنسان أن يقسو على من كان يعشقه. فالعشق الإنساني، بخلاف التعلّق الحيواني البسيط، ليس علاقة مباشرة دائمًا بالشخص كما هو، بل هو في كثير من الأحيان علاقة بالصورة التي بناها العاشق عن المعشوق، وبالمعنى الذي منحه له، وبالدور الذي أراده أن يؤديه في حياته. فإذا تصدّعت هذه الصورة، أو خابت هذه التوقعات، أو انهار البناء التمثلي الذي أُقيم حول الآخر، انقلب الحب نفسه إلى طاقة عدوانية هائلة؛ لأن الجرح لم يعد جرح علاقة فحسب، بل صار جرحًا أصاب الأنا التمثّلية في صميمها. ومن هنا قد لا يكتفي الإنسان بالابتعاد أو بالحزن، بل قد يلجأ إلى الإذلال، والتشهير، والتنكيل النفسي، والانتقام، ونبذ الرحمة، وكأن الطرف الآخر لم يكن يومًا موضع حب، بل صار فجأة موضع عقاب. والحال أن ما يتعرض للعقاب في كثير من الأحيان ليس الآخر بصفته الواقعية، وإنما الصورة التي خذلت صاحبها، أو الحلم الذي انهار، أو الأنا التي شعرت بالإهانة لأنها لم تعد قادرة على السيطرة على المشهد كما تخيلته.
إن القسوة الإنسانية، بهذا المعنى، ليست مجرد زيادة كمية في العدوان، بل هي تحوّل نوعي في طبيعته. ففي الحيوان نجد افتراسًا وصراعًا وتنافسًا، ولكننا لا نجد، بالمعنى الإنساني، حقدًا طويل الأمد، ولا إذلالًا مقصودًا لذاته، ولا تعذيبًا باردًا من أجل التلذذ بالألم، ولا انتقامًا رمزيًا من الماضي، ولا رغبةً في تحطيم الآخر لأنه يختلف، أو لأنه يهدد معنىً أو هويةً أو مكانةً أو مركزيةً يتخيلها الإنسان لنفسه. إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يُدخل المعنى إلى العدوان، وأن يُحمّل القسوة وظيفةً تتجاوز البقاء، فتغدو أداةً للثأر للشخصية المهانة، أو لحماية صورة الذات، أو لإعادة ترميم وهم التفوق، أو لمعاقبة الآخر لأنه لم يطابق التوقعات، أو لأنه كشف ضعفًا كان صاحبه يريد إخفاءه عن نفسه قبل غيره.
ومن هنا أيضًا نفهم لماذا لا تكفي التفسيرات الاجتماعية المعتادة، على أهميتها، لتفسير هذه الظاهرة. صحيح أن التربية القاسية، والحرمان، والاضطرابات النفسية، وأنماط التنشئة، والعنف البنيوي، والسلطة، والحروب، والفقر، وسائر العوامل المعروفة، يمكن أن تزيد القسوة أو تهيئ لها. لكن هذه العوامل لا تفسّر وحدها إمكان القسوة نفسه، ولا تفسّر لماذا يستطيع الإنسان أن يمارس من الأذى ما لا تقتضيه الحاجة، ولا المصلحة، ولا الخوف، ولا الدفاع عن النفس. إنها تفسّر الشروط والظروف، لكنها لا تفسّر البنية العميقة التي تجعل هذا الكائن قابلًا أصلًا لأن ينقلب على الرحمة بهذا الشكل. وهنا تأتي الميتابايولوجيا لتقول إن المشكلة أقدم من الاجتماع، وأعمق من الثقافة، وأشد التصاقًا ببنية الإنسان بعد خروجه من اقتصاد الطبيعة ودخوله في اقتصاد التمثّل.
لقد أصبح الإنسان، بعد الانعطافة التطورية الأولى، كائنًا يعيش في مستويين في آنٍ واحد: مستوى الواقع، ومستوى التمثيل. وهو لا يتألم فقط مما يحدث له، بل مما يتصوره عن الذي حدث، ومما يتوقعه، ومما يخشى أن يعنيه ذلك الحدث، ومما يربطه به من ذكريات وإهانات ومقارنات وتأويلات. ومن هنا أصبحت علاقاته أكثر هشاشة، وانفعالاته أكثر قابلية للتضخم، وعدوانه أكثر قابلية للانفلات من أي ضابط طبيعي. فالإنسان لا يجرح الآخر فقط لأنه ينافسه على مورد، بل لأنه ينافسه على المعنى، وعلى الاعتراف، وعلى المكانة، وعلى الصورة، وعلى الحب، وعلى السلطة، وعلى الحق في أن يكون محورًا. وإذا كانت هذه النزاعات قد تُخفى أحيانًا تحت شعارات أخلاقية أو اجتماعية أو سياسية أو حتى عاطفية، فإن بنيتها العميقة كثيرًا ما تكون بنيةً تمثّلية: بنية كائن لم يعد قادرًا على رؤية الآخر كما هو، لأنه يرى من خلاله نفسه المجروحة، أو خيبته، أو خوفه، أو حسده، أو عجزه، أو جوعه إلى الاعتراف.
وفي ضوء هذا كله تكتسب الآية الكريمة من سورة البقرة دلالة ميتابايولوجية مدهشة. فالقلب الذي يقسو ليس مجرد قلب فقد رهافته الأخلاقية، بل هو قلب انقطع عن منابعه الطبيعية، وجفّت فيه القدرة على الارتداد إلى الرحمة، لأنه صار أسيرًا لاقتصاد تمثّلي مغلق. إن الحجارة، كما تصفها الآية الكريمة 74 من سورة البقرة، لا تزال تحتفظ بعلاقةٍ ما بالنظام الذي أودعه الله في الوجود: تتفجّر منها الأنهار، وتتشقّق فيخرج منها الماء، وتهبط من خشية الله. أمّا القلب الإنساني حين يستحكم عليه القسوة، فإنه قد يتحول إلى شيءٍ أقل استجابة من الحجر؛ لأنه لا يعود منغلقًا فحسب، بل يصبح منخرطًا في فعلٍ مضادٍّ لما يقتضيه أصل الكائن الحي من تعاطف، واستجابة، وإبقاء، ورحمة. وبعبارة أخرى: الحجر لا يرحم لأنه ليس محلًّا للرحمة أصلًا، أما القلب القاسي فهو مأساة لأنه كان محلًّا للرحمة ثم انقلب عليها.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين الإنسان والحيوان في هذا الباب. فالحيوان لا نمدحه لأنه رحيم، لكنه في الوقت نفسه لا يهبط عادةً إلى ذلك المستوى من القسوة المتعمدة التي يُبدعها الإنسان. أما الإنسان فهو الكائن الذي يحمل في داخله إمكانية الرحمة القصوى، كما يحمل في داخله إمكانية القسوة القصوى؛ لأنه الكائن الذي انفصل عن ضوابط الطبيعة دون أن يظفر تلقائيًا بضابط بديل يضمن له الاتزان. ومن ثمّ صار قادرًا على أن يكون أرحم من كل ما نعرف، كما صار قادرًا على أن يكون أقسى من كل ما نعرف. وهذه الازدواجية ليست فضيلةً في ذاتها، بل هي علامة على ذلك الاختلال البنيوي الذي جعل الإنسان كائنًا مفتوحًا على الارتقاء والانهيار معًا، وعلى الإحسان والافتراس الرمزي معًا، وعلى التزكية كما على التحجّر.
إن المأساة في القسوة الإنسانية لا تكمن فقط في مقدار الألم الذي تُحدثه، بل في أنها تكشف أن الإنسان ليس مجرد حيوان أكثر ذكاءً، ولا مجرد امتداد مطوّر لما سبقه من الكائنات، بل هو شيء آخر: كائنٌ أصابه تحوّل عميق جعله قادرًا على استخدام وعيه وخياله وذاكرته ولغته ورموزه ضدّ نفسه وضد غيره. ومن هنا فإن السؤال: ما خطب الإنسان؟ لا يمكن أن تجيب عنه بايولوجيا ترى فيه استمرارًا سلسًا للماضي الحيواني، ولا سايكولوجيا تكتفي بوصف أعراضه، ولا سوسيولوجيا تحصره في الشروط الخارجية، مع القيمة الكبيرة لكل ذلك. إن هذا السؤال يحتاج إلى مقاربة ترى أن الإنسان خرج، في لحظة ما، من التوازن الحيوي الذي كان يضبط عدوانه، ودخل في طور جديد أصبح فيه العدوان نفسه قابلًا لأن يتضخم ويتشعب ويتلوّن بالمعنى والرمز والذاكرة والهوية والخيال.
ومن هنا، فإن قسوة القلب ليست عرضًا أخلاقيًا هامشيًا في الإنسان، بل هي واحدة من أكثر الظواهر كشفًا عن حقيقته بوصفه كائنًا ميتابايولوجيًا. إنها الشاهد على أن الإنسان لا يعيش فقط في العالم، بل يعيش أيضًا في الصور التي يصنعها عن العالم؛ ولا يتأذى من الوقائع فحسب، بل أيضاً من تأويله لها؛ ولا يحبّ فقط الأشخاص، بل الصور التي يبنيها لهم وفيهم؛ ولا يكره فقط من يؤذيه، بل من يهدد تمثلاته عن نفسه ومكانته وحصته من المعنى. ولهذا كله كان الإنسان، وليس الحيوان، هو الكائن الأكثر قدرة على أن يكون قاسي القلب، لأن قسوته ليست قسوة نابٍ أو مخلبٍ أو جوعٍ أو دفاعٍ مباشر، وإنما قسوة كائن خرج عدوانه من حدود الطبيعة، ودخل في متاهة التمثّل، فصار قلبه، حين يقسو، قادرًا على أن يكون أشد قسوةً من الحجارة.
ولعل هذا هو بعض ما تكشفه الآية الكريمة بعبارة لا يملك الوصف البشري أن يدانيها، فالقلب الإنساني حين يفسد لا يتحول إلى مادة صلبة وحسب، بل يتحول إلى بنية مغلقة لا تعود تستجيب لما يستجيب له الحجر نفسه. وتلك، في جوهرها، ليست مجرد إدانة أخلاقية، بل تشخيص أنطولوجي دقيق لحال الكائن الذي فقد شيئًا من انتظامه الأول، فصار يحمل في داخله إمكانية أن ينقلب على الرحمة انقلابًا لا نظير له في عالم الأحياء. وإذا كان الإنسان هو الكائن الأكثر قدرة على أن يكون قاسي القلب، فلأنه ببساطة، الكائن الذي لم يعد يعيش في حدود الطبيعة وحدها، بل في حدود ما صنعه فائض التمثّل من قسوةٍ إضافية، وجرحٍ إضافي، وعدوانٍ إضافي، وانفصالٍ إضافي عن بساطة الكائنات التي لم تخرج بعد من اقتصادها الحيوي الأول.
