الحياة الدنيا بوصفها لعباً ولهواً… مقاربة ميتابايولوجية جديدة في ضوء فائض التمثّل

من بين جميع الأوصاف القرآنية التي أطلقت على العالم الإنساني، ربما لا يوجد وصف أكثر كثافةً من ذلك الذي يتكرر في غيرما موضع من كتاب الله تعالى، والذي يقرر أن هذه الحياة الدنيا ليست، في حقيقتها، إلا لعباً ولهواً. وليس من اليسير أن يمر القارئ على هذا الوصف مروراً عابراً؛ لأن اللعب واللهو، في الاستعمال الشائع، يحيلان عادة إلى أفعال جزئية محدودة، وإلى أنماط مخصوصة من التسلية والترفيه، وليس إلى عالم كامل يقوم عليه عمران الإنسان، وتُبنى في داخله الحضارات، وتُخاض الحروب، وتُنتج فيه الصناعات والعلوم والآداب والمؤسسات. ومن هنا تنشأ الحيرة: كيف يصف القرآن الحياة الدنيا كلها بهذا الوصف؟ وكيف يجمع في آية واحدة بين اللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر، كما في قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ من 20 الحديد؟
إن مقاربة هذا الوصف القرآني من داخل الإطار التقليدي الذي يحصر اللعب واللهو في معناهما المتعارف عليه لن تفضي بنا إلا إلى فهم جزئي، بل وربما سطحي، لهذا التشخيص الإلهي المدهش. أما إذا قرأناه في ضوء فائض التمثّل، بوصفه الأثر الأعمق للانعطافة التطورية الأولى، فإن المعنى ينكشف على نحو مختلف تماماً. ذلك أن فائض التمثّل لا يفسر لنا لماذا يلهو الإنسان ويلعب أكثر من غيره فحسب، ولكن يفسر أيضاً لماذا تحولت الغالبية العظمى من أنشطته الحضارية نفسها إلى امتدادات كبرى للهو واللعب، حتى وإن ارتدت لبوس الجِدّ، وادّعت الوقار، وتحصنت بأسماء الثقافة والسياسة والاقتصاد والعلم والحرب والدولة والتاريخ.
فالإنسان، منذ اللحظة التي خرج فيها على اقتصاد الطبيعة، لم يعد كائناً يباشر العالم بصورة مباشرة، كما تفعل الكائنات البايولوجية الأخرى، وإنما أصبح كائناً يعيش داخل تمثلاته عن العالم. لقد أُضيفت إلى الواقع طبقات هائلة من الصور الذهنية، والتصورات، والمخاوف، والمقارنات، والتقديرات، والأوهام، والرموز، والغايات المتخيلة، فصار الإنسان لا يكتفي بأن يأكل ليعيش، أو يتناسل ليحفظ نوعه، أو يدافع عن نفسه عند الضرورة، وإنما أخذ يعيد بناء الواقع كله على صورة مسرح تمثلي بالغ الاتساع، تتحول فيه الأفعال من وسائل وظيفية بسيطة إلى أدوار، والموجودات إلى رموز، والضرورات إلى مسابقات، والعلاقات إلى مباريات مستمرة، والوجود نفسه إلى ساحة تنافس لا تهدأ.
ومن هنا تحديداً يمكن أن نفهم لماذا وصف القرآن الحياة الدنيا بأنها لعب ولهو. فالمقصود، في ضوء هذه القراءة، ليس أن بعض الناس يضيعون أوقاتهم في التسلية فحسب، وإنما أن البنية العميقة للعالم الإنساني بعد الانعطافة التطورية الأولى أصبحت بنيةً قائمة على اللهو واللعب بالمعنى الميتابايولوجي للكلمة. أي أنها بنية تقوم على تحويل الضروري إلى استعراض، والوظيفي إلى منافسة، والاحتياج الطبيعي إلى مسرح للمباهاة، والعلاقة بالأشياء إلى علاقة تملّك رمزي، والعلاقة بالآخر إلى صراع على التفوق والتغلب والسبق والهيمنة والاعتراف.
ولعل أول ما يلفت النظر في هذا السياق هو أن القرآن نفسه لم يترك اللعب واللهو بلا تفسير، بل كشف عن جوهرهما الاجتماعي والنفسي حين قرنهما مباشرةً بالزينة والتفاخر والتكاثر. فهذه الآية لا تسرد عناصر متجاورة من دون رابط، وإنما تبني تشخيصاً متدرجاً لبنية الحياة الدنيا كما يصوغها فائض التمثّل. فاللعب واللهو ليسا هنا مجرد تسلية، بل هما الصيغة التي تتخذها حياةٌ انفصلت عن البساطة الوظيفية، وامتلأت في المقابل بمشاغل الزينة، وهوس المقارنة، وشهوة التفوق، والرغبة في أن يثبت كل فرد، أو جماعة، أن ما عنده أكثر مما عند غيره. وبعبارة أخرى: فإن القرآن لا يصف أعراضاً متفرقة، بل يكشف عن منطق واحد يحكمها جميعاً؛ وهو منطق التفاخر والتكاثر بوصفهما التعبير الأوضح عن عالم خرج من الاقتصاد الطبيعي إلى الاقتصاد التمثّلي.
وهنا تتضح الصلة العميقة بين اللعب واللهو وبين العدوان الإنساني. فالتنافس، في صورته البشرية المتضخمة، ليس فعالية بريئة، وليس امتداداً طبيعياً لمبدأ البقاء كما هو الحال في عالم الحيوان، بل هو في كثير من الأحيان صورة من صور العدوان الذي فقد انضباطه الحيوي، وانفلت من حدوده الوظيفية، ثم أعاد إنتاج نفسه في هيئة سباقات ومفاضلات ومقارنات ومنازعات لا تكاد تنتهي. فالإنسان لا ينافس فقط ليحصل على مورد نادر، ولا ليحمي نفسه من خطر مباشر، بل ينافس ليُثبت ذاته، وليتفوق رمزياً، وليُشبع جرحاً نرجسياً، وليفرض تمثله عن نفسه على الآخرين، وليمنعهم من احتلال المكانة التي يتخيل أنه أحق بها. ومن هنا يصبح اللعب، في معناه القرآني العميق، اسماً لبنية كاملة من الصراع التمثّلي الذي لا تقوم له قائمة إلا بوجود خصم، أو منافس، أو جمهور، أو ترتيب، أو مكسب رمزي، أو هزيمة يراد إنزالها بالآخر. وإذا شئنا أن نختبر هذه الفكرة على ضوء المقارنة بين الإنسان والحيوان، فإننا سوف نجد أنفسنا أمام فرق بالغ الدلالة. فاللعب في عالم الحيوان، سلوك مؤقت وهادف، رسخته الطبيعة عبر ملايين السنين بوصفه تدريباً مبكراً على ضرورات الحياة المقبلة. فصغار السنوريات تتعارك لتتعلم المطاردة، وصغار الرئيسيات تتدافع لتتعلم حدود الجسد والعلاقة بالقطيع، وصغار الذئاب تشتبك مع بعضها البعض لتتهيأ لأدوارها المستقبلية داخل الجماعة. ولهذا يكاد اللعب الحيواني يكون محصوراً في الطفولة، ويظل خاضعاً، على العموم، لوظيفة بايولوجية واضحة والمتمثلة في الإعداد للحياة، لا الهروب منها؛ والتدريب على البقاء، لا تحويل الوجود كله إلى ساحة فرجة وصراع رمزي.
أما الإنسان، فالمشهد مختلف جذرياً. فالكبار في عالمه لا يكتفون باللعب أكثر من الصغار فحسب، بل أنهم يرفعون اللعب إلى مستوى البنية الحاكمة لحياتهم العامة. فهم يمارسون اللعب بمعناه المباشر في الرياضات والمراهنات والمنافسات والاحتفالات والألعاب الإلكترونية والترفيهية، لكنهم يمارسونه أيضاً في صور أخرى أكثر عمقاً وخطورة؛ ففي الاقتصاد حين يتحول الإنتاج إلى سباق استعراضي على التراكم، وفي السياسة حين تتحول السلطة إلى مباراة مفتوحة على الإقصاء والغلبة، وفي الثقافة حين يغدو الإبداع نفسه ميداناً للمباهاة والتموضع والتفوق الرمزي، وفي الحياة الاجتماعية حين تصبح الزيجات، والبيوت، والوظائف، والملابس، والألقاب، والأبناء، والأموال، أدواتٍ في لعبة المقارنة الكبرى التي لا يكف الإنسان عن خوضها ضد أخيه الإنسان، بل إن كثيراً مما يُحسب على الجِدّ الخالص في الحضارة الإنسانية لا يخرج، عند التحليل الميتابايولوجي، عن كونه لعباً ولهواً وقد تعقّد شكله واتسع نطاقه. فكم من صناعة لا تحركها حاجة حقيقية بقدر ما يحركها هوس التميّز والتفوق واحتلال السوق وإخضاع الآخرين لمنطق الاستهلاك؟ وكم من معرفة لا تُطلب طلباً للحقيقة بقدر ما تُطلب لتثبيت المكانة، أو لتوسيع النفوذ، أو لتسجيل سبق، أو لتحويل العالم إلى ميدان آخر من ميادين السيطرة؟ وكم من مؤسسة اجتماعية أو اقتصادية أو إعلامية لا تقوم إلا على استثارة المقارنة وإدامة الشعور بالنقص وتحويل الأفراد إلى متنافسين دائمين داخل سباق لا نهاية له؟ إن الحضارة الإنسانية، في جانب عريض منها، لا تبدو عندئذٍ كاستجابة هادئة لحاجات الحياة، بل كإمبراطورية ضخمة من “الألعاب الجدية”، أو إن شئنا الدقة: من اللهو المقنّع بالجِدّ.
ومن هنا أيضاً يمكن فهم الحرب نفسها بوصفها لعباً ولهواً بالمعنى القرآني، وليس بمعنى التهوين من فظاعاتها، بل بمعنى ردّها إلى بنيتها التمثّلية العميقة. فالحرب، في كثير من صورها، لا تُخاض فقط دفاعاً عن البقاء المادي المباشر، وإنما تُخاض باسم الهيبة، والشرف، والمجد، والانتقام، والرسالة، والهوية، والتفوق، والذاكرة الجريحة، والخرائط المتخيلة، والرغبة في الإذلال وإخضاع الآخر. فالحرب إذاً، وبهذا المعنى، هي “لعبة قاتلة”، ولكنها لعبة مع ذلك؛ لأنها تقوم على القواعد نفسها التي يقوم عليها اللعب التمثّلي: الانقسام إلى فريقين، واستحضار الخصومة، وتعبئة الجماعة، وإثارة الحماسة، وصناعة البطولة، وتسجيل النقاط، وتحويل الدماء والخراب إلى مادة للـ “معنى والرمز والذاكرة والاحتفال”. ومن هنا أمكن للإنسان أن يحول القتل نفسه إلى مسرح، وأن يجعل من الدمار مناسبةً للبطولة، ومن الإبادة سبباً للفخر، ومن المأساة مادةً لسرديات المجد والانتصار.
ولا يعني هذا بطبيعة الحال أن كل ما أنتجه الإنسان باطل أو عديم القيمة، ولا أن كل فعل حضاري هو لعب محض بالمعنى الأخلاقي المباشر. فالمسألة ليست حكماً وعظياً سطحياً على كل ما في الدنيا، وإنما هي محاولة لتشخيص البنية التي غلبت على العالم الإنساني بعد أن انفصل عن بساطة الطبيعة. فحتى الإنجازات الحقيقية، وحتى العلوم النافعة، وحتى الفنون الرفيعة، لا تنجو دائماً من أن تُبتلع داخل منطق اللعب واللهو متى ما دخلتها دوافع التفاخر، وهاجس السبق، وشهوة التفوق، وحب الظهور، والرغبة في التملك الرمزي. إن الخطر لا يكمن في الفعل من حيث هو فعل، بل في “الحمولة التمثّلية” التي تكسوه، وتحوله من استجابة لحاجة أو بحث عن حق إلى جولة جديدة في سباق الاعتراف والهيمنة والتكاثر والتفاخر والتباهي.
وهذا هو السبب في أن القرآن لا يقف عند اللعب واللهو، بل يربطهما بالغرور والزينة والتفاخر والتكاثر، لأن هذه كلها ليست إلا أسماء مختلفة للبنية نفسها. فالزينة هي الوجه الجمالي للتمثّل، والتفاخر هو وجهه الاجتماعي، والتكاثر هو وجهه الكمي، والغرور هو أثره المعرفي والأخلاقي، واللعب واللهو هما صورته الحركية التي تتجلى في السلوك اليومي وفي بناء العالم. وما يجمع هذه الأسماء كلها هو أن الإنسان لم يعد يكتفي بأن “يكون”، بل صار مشغولاً على نحو مَرَضي بأن “يبدو”، وأن “يتفوق”، وأن “يزيد”، وأن “يُرى”، وأن “يُقارن”، وأن “ينتصر”. وهنا تبلغ الحياة الدنيا ذروة انكشافها بوصفها “عالماً تمثلياً” أكثر منه عالماً وظيفياً؛ وهو عالمٌ لا يحكمه سؤال: ماذا نحتاج لكي نحيا؟ بقدر ما يحكمه سؤال آخر أكثر اضطراباً وعدوانية: كيف نغلب؟ وكيف نسبق؟ وكيف نملك أكثر؟ وكيف نقنع أنفسنا والآخرين بأننا الأفضل والأقوى والأرفع مكانة؟ وبهذا المعنى، فإن وصف الحياة الدنيا بأنها لعب ولهو ليس وصفاً أخلاقياً تقريعياً فحسب، بل هو أيضاً وصف أنثروبولوجي وميتبايولوجي بالغ الدقة؛ إذ أنه يكشف أن الإنسان، بعد الانعطافة التطورية الأولى، لم يكتفِ بإنتاج حضارة، بل أنتج معها عالماً بديلاً تسكنه المقارنات، وتديره الرموز، ويغذيه العدوان، ويستمد حركته من التفاخر والتكاثر والسباق والتموضع. ولعل أخطر ما في هذا العالم أنه ينجح في إخفاء طبيعته القائمة على اللعب واللهو خلف واجهات الجدية والضرورة والرسالة والمبدأ والمصلحة، حتى يكاد الإنسان ينسى أنه لا يفعل في كثير من الأحيان سوى إعادة تمثل “اضطرابه الأول” في صور أكثر تعقيداً واتساعاً.
ومن هنا تكتسب الآية الكريمة 20 من سورة الحديد دلالتها الحاسمة. فهي لا تصف فقط هشاشة الدنيا وزوالها، بل تكشف أيضاً طبيعة الآلية النفسية والاجتماعية التي تديرها. إن الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر وتكاثر، لأنها عالم خرج من البراءة الوظيفية إلى التمثل، ومن السكينة الطبيعية إلى القلق المقارن، ومن الضرورة المحدودة إلى الشهوة المفتوحة. فالحياة الدنيا، بهذا المعنى، ليست مجرد حياة قصيرة، بل هي أيضاً نمط مخصوص من الوجود؛ وهو نمط يعيش فيه الإنسان أسيراً لمسرح من المعاني المصطنعة التي راكمها فائض التمثّل فوق بساطة الواقع، حتى غدا الوجود نفسه أقرب إلى مباراة كبرى، أو إلى مهرجان دائم للمقارنة، أو إلى لعبة حضارية عملاقة يتوهم فيها اللاعبون أنهم يبنون العالم، فيما هم، في جانب غير قليل من فعلهم، يعيدون إنتاج “علّتهم الأولى” يوم اكل ابواهم من الشجرة. وهكذا فإن فائض التمثّل يمنحنا، مرة أخرى، مفتاحاً تفسيرياً غير مسبوق لفهم واحدة من أكثر العبارات القرآنية إدهاشاً: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾. فليس المقصود أن الدنيا تشتمل على اللعب واللهو، بل إن عالم الإنسان، بعد خروجه على قانون اقتصاد الطبيعة، صار في جوهره عالماً قائماً على اللعب واللهو، وذلك لأن فائض التمثّل جرّد الوقائع من بساطتها، ونزع عن الأفعال براءتها الوظيفية، ثم أغرقها في المقارنة والاستعراض والتفاخر والتكاثر والصراع. ومن هنا فإن هذا الوصف القرآني لا يبدو، في ضوء هذه المقاربة، استعارة وعظية، بل تشخيصاً بالغ الدقة لحقيقة الكائن الذي أصبح، منذ لحظة سقوطه في فائض التمثّل، أقل الكائنات البايولوجية قدرةً على أن يعيش الواقع كما هو، وأكثرها ميلاً إلى تحويله إلى “لعبة كبرى” يدفع ثمنها الفرد والنوع معاً.

أضف تعليق