علم النفس التطوري بعد فائض التمثّل… هل تحتاج النفس إلى نظرية جديدة؟

من بين جميع العلوم التي حاولت أن تفهم الإنسان من داخله، ربما لا يوجد علم أقرب إلى قلب التجربة الإنسانية من علم النفس. فهو العلم الذي انصرف إلى دراسة الخوف والقلق، والحب والكراهية، والرغبة والذنب، والغيرة والحسد، والهوية والمعنى، وسائر الحالات التي تجعل الإنسان يعيش نفسه بوصفه كائناً لا يكتفي بأن يحيا، بل يشعر ويعاني ويتذكر ويتخيل ويحاسب ذاته. ولهذا لم يكن غريباً أن يتقاطع علم النفس، منذ نشأته الحديثة، مع أسئلة الفلسفة والأخلاق والدين، وأن يتحول إلى واحد من أكثر العلوم انشغالاً بما يجعل الإنسان مختلفاً عن غيره. غير أن هذا العلم، على تنوع مدارسه، لم يكن بمنأى عن أثر الثورة الداروينية. فمع صعود علم النفس التطوري، جرى تفسير عدد كبير من الانفعالات والميول والسلوك البشري بوصفها امتدادات وظيفية لآليات تكيفية تشكلت عبر تاريخ طويل من الانتخاب الطبيعي. فالخوف، مثلاً، فُسر بوصفه أداة لحماية الكائن من الأخطار. والغيرة فُهمت باعتبارها استجابة مرتبطة بحماية العلاقة أو النسل. والحذر الاجتماعي، والرغبة في المكانة، والانجذاب الجنسي، والميل إلى التعاون أو التنافس، كلها قُرئت بوصفها سلوكيات تحمل بصمة الماضي التطوري للنوع البشري.
ولاشك أن هذا الإطار قدم إسهاماً مهماً في فهم كثير من الظواهر النفسية، لأنه أعاد وصل النفس بالتاريخ الطبيعي للكائن الحي، وذكّرنا بأن الإنسان، مهما بلغ من تعقيد، لم يولد خارج الطبيعة. غير أن هذا النجاح نفسه يثير سؤالاً لا يقل دلالة: فهل يكفي أن نرد الظاهرة النفسية إلى أصل تكيفي لكي نكون قد فهمناها فهماً كاملاً؟ وهل كل ما يختبره الإنسان اليوم من قلق وذنب وخجل وحسد واكتئاب وتعلق مرضي وانتقام وكراهية للذات يمكن تفسيره بوصفه استمراراً مباشراً لآليات تطورية قديمة؟
إن مجرد تأمل الحياة النفسية للإنسان المعاصر يكشف عن مفارقة يصعب تجاهلها. فالإنسان هو ليس أكثر الكائنات خوفاً فحسب، بل هو أيضاً أكثرها قدرة على الخوف مما لم يقع بعد. وهو ليس أكثرها حزناً على ما فقد فحسب، بل أكثرها عيشاً داخل ماضٍ لا يكف عن استعادته وتأويله. وهو ليس أكثرها دفاعاً عن نفسه فحسب، ولكنه أكثرها عدواناً عليها أيضاً. فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يشعر بالذنب تجاه فكرة، وأن يخجل من صورة متخيلة عن نفسه، وأن يغار من احتمال، وأن ينهار بسبب معنى، وأن يعيش مطارداً بما كان يمكن أن يكون، لا بما هو كائن بالفعل.
وهنا يبرز السؤال الذي قد يفرض على علم النفس التطوري مراجعة بعض مسلّماته: ماذا لو كانت هذه الظواهر لا تمثل مجرد امتداد للوظائف النفسية القديمة، بل هي نتيجة لطريقة جديدة يعمل بها العقل الإنساني بعد خضوعه لفائض التمثّل؟ وإذا صح هذا الافتراض، فإن النفس الإنسانية لا تعود مجرد ساحة تتفاعل فيها الغرائز مع البيئة، بل تصبح فضاءً تنشط فيه تمثلات لا تنتهي: صور عن الذات، وتوقعات عن المستقبل، وتأويلات للماضي، وأحكام أخلاقية، وسيناريوهات افتراضية، ومخاوف لا يستدعيها الواقع المباشر، بل يستدعيها العقل نفسه. وعندئذ لا يعود القلق مجرد استجابة لخطر، بل قد يصبح استجابة لاحتمال. ولا يعود الذنب أثراً لسلوك وقع، بل قد يصبح أثراً لفكرة راودت صاحبها أو لرغبة لم تتحقق أصلاً. ولا تعود الغيرة دفاعاً عن علاقة قائمة، بل قد تتحول إلى انشغال مرهق بصور متخيلة عن فقدٍ لم يحدث بعد. إن ما يميز النفس الإنسانية، وفق هذا المنظور، هو ليس أنها تشعر فحسب، بل أنها تشعر داخل عالم رمزي موازٍ للواقع. فهي لا تحزن على ما وقع وحده، بل على ما كان يمكن أن يقع. ولا تخاف مما تراه فقط، بل مما تتخيله. ولا تغضب من الإساءة الواقعية فحسب، بل من المعاني التي تنسبها إليها، ومن التأويلات التي تبنيها حولها. ولهذا فإن شقاء الإنسان النفسي قد لا يكون نتيجة مباشرة للواقع، بقدر ما يكون نتيجة للطريقة التي أعاد بها العقل تمثل هذا الواقع وتضخيمه وتأويله وإعادة إنتاجه داخله.
ومن هنا يمكن النظر إلى كثير من الظواهر النفسية التي استعصت على التفسير التكيفي المباشر بوصفها نتائج ثانوية أو مركبة لفائض التمثّل. فالخجل، في صيغته الإنسانية المعقدة، لا يبدو مجرد انفعال اجتماعي بسيط، بل هو مرتبط بقدرة الإنسان على النظر إلى نفسه من الخارج، وتخيل نظرة الآخرين إليه، وبناء صورة ذهنية عن ذاته ثم معاقبتها على ضوء تلك الصورة. والعار ليس مجرد خوف من العقاب، بل إحساس عميق بانهيار صورة الذات في عين الذات أو في عين الجماعة. والحسد لا يقتصر على الرغبة في امتلاك ما عند الآخر، بل قد يرتبط بالألم الناتج عن مقارنة رمزية بين صورتين للوجود: صورتي وصورته. أما القلق الوجودي، فلا يمكن فهمه بوصفه امتداداً لغريزة البقاء، لأنه ينشأ غالباً من مواجهة أسئلة لا تعرفها الطبيعة: لماذا أنا هنا؟ ما معنى حياتي؟ ماذا لو ضاعت حياتي سدى؟ ماذا بعد الموت؟
بل إن بعض أكثر الاضطرابات النفسية التصاقاً بالإنسان قد تبدو، في ضوء هذا التصور، غير قابلة للفهم الكامل ما لم نأخذ فائض التمثّل في الحسبان. فالاكتئاب، في بعض صوره، ليس مجرد انخفاض في المزاج، بل انغماس في قراءة سوداء للذات والعالم والمستقبل. والوسواس القهري ليس مجرد خوف مفرط، بل هو عدم القدرة على التحرر من أسر الصور الذهنية والاحتمالات والأفكار الاقتحامية التي يضفي عليها العقل من المعنى ما يجعلها أقوى من الواقع نفسه. واضطرابات الشخصية قد لا تكون كلها اختلالات في الانفعال وحده، بل في الكيفية التي تتشكل بها صورة الذات وصورة الآخر وصورة العالم داخل العقل.
وهذا لا يعني أن العوامل البيولوجية أو العصبية أو البيئية تفقد قيمتها، بل يعني أن هذه العوامل قد تعمل داخل نظام نفسي أصبح أكثر تعقيداً من أن يُرد كله إلى المنفعة التكيفية المباشرة. فالإنسان قد يرث قابلية معينة للقلق أو الاكتئاب، وقد يتعرض لصدمات أو ضغوط تفعّل هذه القابلية، لكن الشكل الذي يتخذه الألم النفسي، والقصص التي ينسجها العقل حوله، والمعاني التي يربطها به، قد تكون كلها مشروطة بالبنية التمثلية للعقل البشري.
وهنا تبرز الحاجة إلى توسيع علم النفس التطوري، وليس إلى تقويض اركانه. فالمطلوب ليس إنكار الأصل التطوري للوظائف النفسية، بل الاعتراف بأن هذا الأصل قد لا يكفي وحده لتفسير ما آلت إليه النفس الإنسانية بعد الانعطافة التطورية الأولى. فكما أن ظهور اللغة غيّر طريقة التواصل دون أن يلغي جذورها الحيوانية، فإن ظهور فائض التمثّل قد يكون قد غيّر طريقة عمل النفس دون أن يقطع صلتها الكاملة بماضيها التطوري.
وعلى هذا الأساس يمكن التمييز بين مستويين في النفس البشرية: مستوى أقدم، تشترك فيه مع سائر الكائنات الحية، ويتصل بوظائف البقاء والدفاع والتكاثر والتكيف مع البيئة؛ ومستوى أحدث، تشكل حين أصبح العقل قادراً على تجاوز الواقع، وبناء عوالم من الصور والرموز والتأويلات والاحتمالات. ومن تفاعل هذين المستويين قد تكون ولدت الحياة النفسية الإنسانية بصيغتها المعقدة الراهنة.
إن القيمة الدلالية لهذا التصور لا تقتصر على الجانب النظري، بل تمتد إلى فهم الاضطراب النفسي نفسه. فإذا كانت معاناة الإنسان تنشأ، في جزء منها، من فائض التمثّل، فإن العلاج لا ينبغي أن ينحصر في تهدئة الانفعال أو تعديل السلوك أو تصحيح الكيمياء العصبية، بل هو يحتاج أيضاً إلى تفكيك البنى التمثلية التي تضخم الألم، وإعادة تنظيم العلاقة بين الذات والواقع، وبين ما هو كائن وما يتخيله الإنسان عن نفسه وعن العالم.
وهذا يفتح الباب أمام حوار جديد بين علم النفس التطوري، والطب النفسي، والعلاج المعرفي، والفلسفة، بل وحتى الرؤية الدينية للإنسان. فهذه الحقول كلها، على اختلاف لغاتها ومناهجها، تتعامل في نهاية المطاف مع كائن يعيش داخل نفسه أكثر مما يعيش في الطبيعة، ويعاني من صوره الذهنية بقدر ما يعاني من وقائعه.
ولعل هذا هو ما يجعل الإنسان، من الناحية النفسية، أكثر الكائنات البايولوجية هشاشة وأكثرها تعقيداً في آن واحد. فهو لم يرث فقط أجهزة الانفعال القديمة التي ورثتها الحياة كلها، بل ورث معها عقلاً يستطيع أن يحوّل هذه الانفعالات إلى عوالم كاملة من المعنى، وأن يجعل الخوف قصة، والذنب محكمة، والغيرة جحيماً، والحب مصيراً، والفقدان انهياراً للوجود كله.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرحه علم النفس التطوري على نفسه هو ليس “ما الوظيفة القديمة لهذا الانفعال أو ذاك؟” فحسب، بل أيضاً “كيف تغيّر هذا الانفعال حين دخل إلى عالم فائض التمثّل؟”، و”ما الذي حدث للنفس عندما لم تعد تعيش داخل الطبيعة وحدها، بل داخل الطبيعة وصورها معاً؟”.
وحين يُطرح السؤال بهذه الصيغة، فإننا سوف نكون أمام بداية مرحلة جديدة في فهم الإنسان؛ وهي مرحلة لا تنفي تاريخه التطوري، ولكنها ترفض أن تختزل شقاءه النفسي كله في ذلك التاريخ، لأن النفس البشرية قد تكون، مثل الإنسان نفسه، استمراراً من جهة، وانقطاعاً من جهة أخرى؛ مزيجاً من الحيوان الذي كنّاه يوماً، والكائن التمثلي الذي أصبحناه بعد ذلك.

أضف تعليق