
من بين جميع الظواهر التي تكشف مقدار القطيعة التي تفصل الإنسان عن ماضيه البايولوجي، ربما لا توجد ظاهرة أشد دلالة من ظاهرة الندم. فالندم ليس مجرد حزن على ما وقع، ولا مجرد انفعال عاطفي يعقب الخطأ، وإنما يمثل قدرة ذهنية معقدة لا يمكن أن تنشأ إلا عند كائن أصبح قادراً على مغادرة الواقع الذي حدث بالفعل، ليقيم داخل واقع آخر لم يحدث قط، ثم يقارن بين هذين الواقعين، ويحاكم نفسه على ضوء تلك المقارنة. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين الإنسان وسائر الكائنات الحية. فالحيوان قد يخاف، وقد يهرب، وقد يتألم، وقد يتعلم من التجربة، لكنه لا يندم. إنه يعدّل سلوكه استجابةً لما تفرضه البيئة، لكنه لا يجلس مع نفسه متسائلاً: “لو أنني فعلت غير ما فعلت، لكانت النتيجة مختلفة”. فالندم يفترض وجود خيال تمثلي يستطيع إعادة بناء الماضي في صورة احتمالات بديلة، وهي قدرة لا مكان لها في الإدراك الحيواني الذي يظل أسير الحاضر وما يفرضه من ضرورات مباشرة.
إن الحيوان، بعد أن ينتهي الصراع، يعود إلى حياته كأن شيئاً لم يكن. فالذئب الذي خاض عراكاً شديداً مع منافسه لا يعيش بقية عمره وهو يستعيد المشهد متمنياً لو أنه تصرف بطريقة أخرى، والطائر الذي أهمل صغيره لا يعذب نفسه بما كان يمكن أن يفعله لإنقاذه، والأسد الذي خسر معركة لا يقضي لياليه مستغرقاً في جلد الذات. فجميع هذه الكائنات تتحرك داخل منظومة بايولوجية تجعل الحاضر هو الإطار الوحيد الذي تعمل فيه آلياتها النفسية والعصبية.
أما الإنسان، فقد أصبح يعيش في عالمين في آنٍ واحد؛ عالم الواقع الذي وقع بالفعل، وعالم آخر لا وجود له إلا داخل تمثلاته الذهنية. ومن هنا ولد الندم؛ فالندم ليس استجابةً للواقع، ولكنه استجابةٌ لما لم يكن واقعاً أصلاً، وهو الألم الناتج عن مقارنة الحقيقة بإحدى الصور التي ابتكرها الخيال بعد فوات الأوان. ولهذا فإن الندم لا يقتصر على استحضار الماضي، بل يعيد كتابة الماضي وفق سيناريوهات لم تقع قط. فيقول الإنسان: لو أنني صبرت قليلاً… لو أنني لم أقل تلك الكلمة… لو أنني لم أغضب… لو أنني اخترت طريقاً آخر… ولو… ولو… حتى يغدو أسيراً لسلسلة لا تنتهي من الاحتمالات التي لم يكن لأي منها وجود خارج ذهنه.
ومن منظور نظرية الانعطافة التطورية الأولى، لا يمكن فهم هذه الظاهرة إلا بوصفها واحدة من النتائج المباشرة لفائض التمثّل. فحين أصبح الإنسان قادراً على تمثل الواقع، أصبح قادراً أيضاً على تمثل واقع آخر لم يوجد قط، ثم مقارنة الواقعين، لتنشأ من تلك المقارنة مشاعر لم تعرفها الطبيعة قبل ظهور الإنسان. فالندم ليس سوى الثمن الذي دفعه العقل لقاء امتلاكه القدرة على تخيل البدائل.
ويقدم لنا القرآن العظيم أبلغ تصوير لهذه اللحظة التأسيسية في تاريخ الجنس البشري، وذلك في قصة ابني آدم، إذ يقول تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۖ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾. فهذه الآية الكريمة لا تصف مجرد إدراكٍ للخطأ، وإنما تصف ولادة حالة ذهنية جديدة في تاريخ الجنس البشري. فبعد أن وقع الفعل، لم يكتفِ الأخ القاتل بمشاهدة نتيجة ما ساقه إليه غيظه، بل بدأ يقارن بين ما فعله وبين ما كان ينبغي أن يفعله. فلقد رأى الغراب، فانبثق داخله لأول مرة سؤال البديل: لماذا لم أفعل كما فعل هذا الغراب؟ وهنا وُلد الندم. ومن اللافت أن الغراب نفسه، على الرغم من كونه سبباً في تعليم الإنسان كيفية مواراة الجثمان، لم يكن نادماً. فهو مارس سلوكاً غريزياً خالصاً، بينما كان الإنسان هو الذي تجاوز الواقعة إلى تأملها والحكم عليها وإدانة نفسه بسببها. فالفرق لم يكن في الحدث، وإنما في طبيعة العقل الذي استقبل الحدث. وهذه الملاحظة تكشف أن الندم لا ينشأ من الفعل ذاته، وإنما من القدرة على تمثل فعل آخر بديل. ولهذا أيضاً قد يتحول الندم إلى واحد من أكثر الأحمال النفسية ثقلاً على الإنسان. فكلما ازدادت قدرة العقل على إنتاج البدائل، ازدادت مساحة الندم. وليس من قبيل المصادفة أن أكثر الناس استغراقاً في التحليل والتخطيط واستحضار الاحتمالات هم، في كثير من الأحيان، أكثرهم تعرضاً لاجترار ما حدث والمعاناة بالتالي من وخزات الندم. فهؤلاء لا يعيشون داخل الماضي، بل داخل عدد لا يحصى من النسخ المتخيلة لذلك الماضي. ومن هنا يصبح الندم وجهاً آخر لفائض التمثّل. فالقدرة نفسها التي منحت الإنسان الإبداع، والتخطيط، والتوقع، وبناء الحضارات، هي التي جعلته أيضاً الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يعذب نفسه بأحداث لم تقع إلا في خياله. إن الطبيعة لم تعرف الندم قبل الإنسان، لأنها لم تكن تعرف الاحتمالات البديلة. أما الإنسان، فمنذ أن أصبح قادراً على تخيل ما لم يحدث، أصبح محكوماً أيضاً بأن يتألم جراء ما لم يحدث.
ولعل هذا هو أحد أعمق الأثمان التي دفعتها البشرية مقابل خروجها من عالَم الحيوان؛ إذ ربحت حرية التفكير في الممكن، لكنها خسرت في المقابل راحة الاكتفاء بما وقع بالفعل. ومنذ تلك اللحظة، أصبح الإنسان الكائن الوحيد الذي لا يعيش الماضي كما حدث، بل كما كان يتمنى أن يكون.
