الإنسان الأعلى في مواجهة إنسان نيتشه… مقاربة قرآنية

من بين جميع التصورات التي حاول الإنسان الحديث أن يرسم بها صورة مستقبله، ربما لا يوجد تصور أكثر شهرة ولا أكثر إثارة للجدل من تصور فريدريك نيتشه عن الإنسان الأعلى (Übermensch). فقد رأى نيتشه أن الإنسان، بصورته الراهنة، ليس الغاية النهائية للتطور البشري، وإنما هو مرحلة انتقالية بين ما كانه الكائن الإنساني وما ينبغي أن يصير إليه. ولهذا لم يتعامل مع الإنسان كما نعرفه بوصفه ذروة المشروع البشري، بل بوصفه كائناً لم يكتمل بعد؛ كائناً مثقلاً بالضعف، مكبلاً بالأخلاق التي صاغتها الهشاشة والخوف والاحتياج. ومن هنا فقد بشّر بإنسانٍ جديد يتجاوز الإنسان الراهن، ويتحرر من أخلاق القطيع، ويعيد تعريف القيم من منطلق القوة والاقتدار، وليس من منطلق الشفقة أو التواضع أو الخضوع لما اعتبره نيتشه أخلاقاً وضيعة صاغها الضعفاء لحماية أنفسهم من الأقوياء.
غير أن هذا التصور، على ما فيه من جرأة فلسفية، يبقى أسير افتراض بالغ الخطورة مفاده أن الطريق إلى تجاوز الإنسان لـ “قصوره ذاتي” إنما يمر عبر تعظيم الذات، وتكثيف إرادة القوة، والانتصار للأنا بوصفها المركز الذي ينبغي أن يُعاد بناء العالم انطلاقاً منه. وهنا يبرز القرآن، ليس بوصفه مجرد خطاب ديني يرفض هذا التصور من الخارج، بل بوصفه يقدّم نموذجاً مضاداً للإنسان الأعلى؛ وهو نموذجٌ لا يكتفي بنقد صورة نيتشه، وإنما يعيد تعريف معنى العلو الإنساني من جذوره. فبينما يتجه نيتشه إلى رفع الإنسان عبر تضخيم إرادته، يتجه القرآن إلى رفعه عبر تحريره من نفسه. وبينما يريد نيتشه إنساناً أعلى لأنه أشد قدرة على فرض إرادته، يقدّم القرآن إنساناً أعلى لأنه أشد قدرة على كبح هواه، وأبعد عن الظلم، وأكثر أهلية لتلقي التأييد الإلهي.
ولعل من أبلغ القصص القرآنية التي تكشف هذا المعنى قول الله تعالى في سورة طه: {قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى}. فهذه الآية الكريمة، على وجازتها، تحمل تصوراً بالغ العمق عن معنى العلو الإنساني. فهي لا تَرِد في سياق حديث عن قوة مادية، ولا في معرض تمجيد بطولة جسدية، ولا بوصفها مكافأة على إرادة الهيمنة، وإنما تَرِد في لحظة خوف إنساني خالص؛ وهي لحظة بدا فيها موسى عليه السلام، من منظور الحس البشري، محاطاً بأسباب الضعف والتهديد. فالسحرة ألقوا ما ألقوا، والمشهد مشحون بالرهبة، والخصم يملك السلطان والحشد والمهابة، والإنسان بطبيعته يضطرب حين يرى الباطل وقد تزيّن بأسباب القوة. وهنا يأتي الخطاب الإلهي الحاسم: “لا تخف”؛ ليس لأنك أقوى من خصومك في المعنى المادي المباشر، بل لأنك، في ميزان آخر أعمق من موازين الظاهر، أنت الأعلى.
وهذا التعبير القرآني يفتح الباب أمام انقلاب كامل في فهم معنى التفوق الإنساني. فالعلو هنا ليس علو البطش، ولا علو الغلبة المتأتية من استباحة الآخرين، ولا علو الذات حين تنتفخ حتى تظن نفسها فوق الخير والشر، وإنما هو علو من نوع آخر: علو الإنسان الذي صار أهلاً للعون الإلهي. فالذي جعل موسى أعلى لم يكن فائض قوة ذاتية منبثقة من ذاته، وإنما كان ما بلغه من مقام العبودية والإخلاص والثقة بالله حتى صار في موضع يُقال له فيه: “لا تخف، إنك أنت الأعلى”. فموسى لم يصبح أعلى لأنه قرر أن يتجاوز الأخلاق، بل لأنه استقام عليها. ولم يصبح أعلى لأنه أطلق إرادته من كل قيد، بل لأنه قيّدها بالحق. ولم يصبح أعلى لأنه عظّم نفسه، بل لأنه خضع لربه.
وهنا تحديداً يظهر الفرق الجوهري بين إنسان نيتشه الأعلى والإنسان الأعلى وفقاً للرؤية القرآنية. فنيتشه ينطلق من تشخيص صحيح جزئياً لضعف الإنسان المعاصر، لكنه يخطئ في تحديد مخرج هذا الضعف. فلقد رأى نيتشه أن الإنسان يعيش مثقلاً بالخوف، والامتثال، وأخلاق العجز، والنزوع إلى الاحتماء بالجماعة، والاحتماء بقيم تُضعف إرادته وتمنعه من تحقيق تفوقه. وهذا في بعض جوانبه توصيف نافذ لما آل إليه الإنسان حين استسلم لأوهامه، وعاش دون مشروع يحرره من هشاشته. ولكن نيتشه، وبدل أن يرى أن أزمة الإنسان تكمن في فساد علاقته بنفسه وبربه وبالآخرين، رأى أن الأزمة تكمن في عدم امتلاكه ما يكفي من الجرأة ليكون أكثر أنانيةً، وأكثر استقلالاً عن الأخلاق، وأكثر قدرة على إعادة تشكيل العالم وفق إرادته الخاصة. ومن هنا كان إنسانه الأعلى مشروعاً لتضخيم الإنسان، وليس لتطهيره؛ مشروعاً لتكريس القوة، وليس لتزكية صاحبها؛ مشروعاً لتجاوز الضعف عبر استبداله بنقيضه، وليس عبر معالجته من جذوره.
أما القرآن فيتجه إلى نقطة أخرى تماماً. فهو لا ينكر ضعف الإنسان، بل يكاد يجعل هذا الضعف واحداً من أكثر محاوره حضوراً، والتي تكمن في ضعفه أمام خوفه، وأمام شهوته، وأمام غضبه، وأمام عجَلته، وأمام ظلمه لنفسه ولغيره. ولكنه، وبخلاف نيتشه، لا يرى أن خلاص الإنسان يكمن في أن يصبح أشد افتراساً، أو أكثر تحرراً من القيود الأخلاقية، أو أقل اكتراثاً بالآخرين، بل يرى أن خلاصه يبدأ من الانتصار على نفسه. فالإنسان لا يسمو لأنه صار أقدر على سحق خصومه، وإنما يسمو لأنه صار أقل خضوعاً للكِبْر، وأقل قابلية للظلم، وأشد مقاومةً للهوى، وأقدر على حمل نفسه على ما تكره إذا كان له الحق. وبقدر ما ينجح الإنسان في هذه المعركة الداخلية، بقدر ما يتهيأ للانتقال إلى مرتبة أعلى من مراتب الوجود الإنساني؛ مرتبة لا يكون فيها أسير غرائزه النفسية، ولا أسير نزعاته العدوانية، ولا عبداً لتعظيم ذاته، بل كائناً جديداً تخلّص، بقدر ما يستطيع، من مركزية الأنا.
ومن هنا يمكن القول إن القرآن يقدّم لنا تصوراً مختلفاً جذرياً عن المرحلة القادمة من تطور الإنسان. فهذه المرحلة هي ليست، كما تخيّل نيتشه، مرحلة الكائن الذي يخلق قيمه بمعزل عن الله، ويستمد تفوقه من إرادة القوة، ويستبدل الضعف بالسيادة، بل هي مرحلة الإنسان الذي ينجح في إعادة هندسة نفسه أخلاقياً وروحياً حتى يغدو قابلاً لنوع من التأييد لا يناله الإنسان العادي. فكلما ازداد الإنسان صدقاً في عبوديته لله، وتخفف من ظلمه، وامتنع عن الإضرار بالناس انتصاراً لنفسه، وكبح رغبته في الانتقام، ورفض أن يجعل هواه إلهاً، اقترب من صورة الإنسان الأعلى بالمعنى القرآني؛ أي الإنسان الذي لم يعد يتحرك بدافع الجرح النرجسي، ولا بدافع الثأر للأنا، ولا بدافع الرغبة في السيطرة، بل بدافع الانقياد للحق حيثما كان.
وبهذا المعنى يصبح العلو القرآني علواً وجودياً وأخلاقياً وليس علواً استعراضياً. وهذا العلو القرآني هو علو الإنسان الذي إذا قَدِر لم يبطش، وإذا غضب لم يظلم، وإذا خاف لم ينهزم من داخله، وإذا مكن الله له في الارض لم يتأله على الناس، وإذا ضَعُف لم يتحول ضعفه إلى حقد. وهذا هو الفارق الحاسم بين المشروعين. فنيتشه يريد إنساناً يتجاوز الضعف بإرادة القوة، أما القرآن فيريد إنساناً يتجاوز الضعف بإرادة تزكية نفسه، ونيتشه يريد إنساناً أعلى لا يعترف إلا بنفسه، أما القرآن فيريد إنساناً أعلى لم يعد يرى نفسه مركزاً للكون، ونيتشه يريد إنساناً يعلو على الآخرين، أما القرآن فيريد إنساناً يعلو على نفسه حتى يصير أهلاً لأن يرفعه الله تعالى.
ولهذا فإن لحظة موسى عليه السلام في سورة طه ليست مجرد حادثة تاريخية، ولا مجرد مشهد من مشاهد الصراع بين نبي وطاغية، وإنما هي إعلان قرآني عن معيار جديد للسمو الإنساني. فموسى، في تلك اللحظة، لم يكن أعلى لأنه امتلك ما لم يملكه خصمه من وسائل القهر، بل لأنه كان في الجهة التي تتنزل عليها السكينة، وفي الجهة التي تؤيدها العناية الإلهية، وفي الجهة التي لم تجعل من القوة غاية في ذاتها. فكليم الله موسى كان هو أعلى لأنه لم يكن وحده. وهنا يتكشف المعنى الذي تعجز عنه الفلسفة النيتشوية. فالإنسان لا يبلغ ذروة إمكانه حين يكتفي بذاته، بل حين يصبح من الصفاء والعدل وضبط النفس بحيث يستحق أن يُمدّ من خارج نفسه؛ من الله الذي يهبه من الطمأنينة والبصيرة والثبات ما لا تصنعه الإرادة المجردة وحدها.
وبهذا المعنى القرآني يغدو الإنسان الأعلى هو النقيض الكامل لـ الإنسان الأعلى عند نيتشه. فالأول هو ثمرة عبودية خالصة لله تعالى والثاني هو ثمرة تمرد، والأول هو ثمرة تهذيب للأنا والثاني هو ثمرة تضخيم لها، الأول يرتقي لأنه صار أقل ميلاً إلى الظلم والثاني يرتقي لأنه لم يعد يرى في الشفقة والتواضع والرحمة قيماً عليا، الأول يقترب من الكمال بقدر ما يبتعد عن هواه والثاني يقترب من مثاله بقدر ما يزداد وفاءً لإرادته الخاصة، الأول هو إنسانٌ يرجو أن يكون علوّه سبباً في نفع الناس والامتناع عن أذيتهم والثاني هو إنسان لا يجد غضاضة في أن يكون تفوقه على حساب الآخرين ما دام ذلك يعبّر عن قوة الحياة فيه كما يتوهم.
ومن هنا يمكن إعادة تعريف سؤال المستقبل الإنساني كله؛ فالمشكلة هي ليست في أن الإنسان ضعيف وحسب، بل هي في الطريقة التي يختار بها علاج ضعفه. فلقد جرّب الإنسان، عبر تاريخه الطويل، أن يعالج هشاشته بتعظيم ذاته، وبالهيمنة، وبالانتقام، وبالتسلط، وبصناعة إيديولوجيات تمجّد القوة وتحتقر الضعف، فلم ينتج عن ذلك إلا مزيد من التوحش والاغتراب. أما القرآن فيقترح طريقاً آخر مفاده أن يرتقي الإنسان ليس عبر التمرد على حدوده الأخلاقية، بل عبر الارتفاع إليها. وليس عبر التحرر من كل قيد، بل عبر الخضوع للقيد الذي يحرره من نفسه. وليس بأن يصبح أكثر قسوة، ولكن بأن يصبح أكثر عدلاً. وليس عبر أن يصير أخطر على غيره، بل بأن يصبح عاجزاً عن ظلمهم.
وعند هذه المرحلة يتبين لنا أن الإنسان الأعلى في المنظور القرآني ليس كائناً أسطورياً، وليس طبقة بايولوجية جديدة، ولا سلالة متفوقة بالمعنى الدارويني أو النيتشوي، وإنما هو إنسان جديد من الداخل؛ إنسان قد أفلح، بقدر ما يستطيع، في تجاوز البنية النفسية التي جعلت الإنسان كما نعرفه مصدراً دائماً للعدوان والأنانية والظلم والخوف. فالإنسان الأعلى في القرآن هو الذي لم يعد يطلب العلو من باب التعاظم، بل من باب الاستقامة. ولم يعد يطلب القوة لكي يفرض نفسه، بل لكي يثبت على الحق. ولم يعد يرى في الآخرين مجرد وسائل، بل صار أكثر وعياً بحدود نفسه، وأكثر قدرة على كف أذاها عنهم.
وعليه، فإن المفارقة الكبرى تكمن في أن نيتشه، وهو يبحث عن إنسان أعلى، انتهى إلى تمجيد الإنسان في أكثر صوره التصاقاً بالمشكلة الانسانية؛ أي في صورته التي لا تزال مأخوذةً بالأنا وإرادة السيطرة. أما القرآن، فإنه حين يتحدث عن العلو، فإنه يربطه من البداية بنقض هذا التصور كله. فالإنسان لا يصبح أعلى لأنه استسلم لإرادة القوة، بل يصبح أعلى لأنه تحرر منها حين تكون ظلماً. ولا يصبح أعلى لأنه انتصر لنفسه، بل لأنه نجح في ألّا يجعل نفسه إلهاً يطاع. ولا يصبح أعلى لأنه بات قادراً على البطش، بل لأنه أصبح قادراً على الامتناع عنه. ومن هنا فإن الآية الكريمة: {قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} لا تخبرنا عن لحظة نصر عابرة، ولكنها ترسم أفقاً كاملاً لمستقبل الإنسان. فالعلو الحقيقي ليس في أن يشتد سلطان الأنا، بل في أن يضعف سلطانها حتى يتأهل الإنسان لتلقي مدد الله، وعندئذ فحسب يمكن أن يبدأ طور جديد من أطوار الإنسانية؛ طور الإنسان الأعلى، لا كما تخيله نيتشه، بل كما يريده القرآن: إنساناً بلغ من صفائه ما جعله أقوى لأنه أرحم، وأعلى لأنه أخضع نفسه للحق، وأعظم لأنه لم يعد خطراً على أحد.

أضف تعليق