
كلما انبعث صوت لويس أرمسترونغ متهدجاً ودافئاً وهو يشدو “What a Wonderful World”، لا أسمع مجرد أغنية عابرة، بل أجدني أمام بيان فلسفي وجودي شديد العمق. إنها رسالة موجهة، بقصد أو بغير قصد، إلى أولئك الذين يرتدون نظارات قاتمة فلا يرون في العالم إلا خواءً وفوضى، وإلى الحد الذي يجعلهم يقسمون أن الوجود عبث محض لا جدوى منه، مدافعين عن “العدمية” بوصفها الحقيقة الوحيدة.
لكن الطبيعة، في تجلياتها اللامتناهية، تملك منطقاً آخر؛ منطقاً يتجاوز صرامة العقول وضيق تفسيراتها.
فحيثما تجلى جمال الطبيعة وأنى كان، فإنه يجتاح الناظر بفيض من مشاعر تكاد تذهب باللب، لتعيد ترتيب صلتنا بالكون. ففي الصحراء، حيث تتراصف الكثبان الرملية كأمواج ذهبية ساكنة، وتصفو السماء حد الذهول، ويطيب الهواء الخالي من كدر الصخب. فهناك، وفي ذلك الامتداد، يتجلى “جمال التجريد”، حيث يصبح الفراغ امتلاءً بالسكينة. وفي الجبل، تبهرك عظمة التنوع؛ صخور تتراصف في طبقات جيولوجية تروي تباين الأعمار وحكايات الزمن السحيق، ونباتات تتشبث بالحياة بين الشقوق، وغدران تتدفق بقوة لتغذي جداول تتراقص مياهها صعوداً وهبوطاً. إنه مشهد يجسد “الجلال” (The Sublime) في أبهى صوره. وعند الشاطئ، حيث تُلاطِم الأمواج الصخور في حركة مستمرة، وينتشر طيف عبق الزبد المالح، في مزيج عبقري يجمع بين التدفق المتواصل للمياه والسكينة المقيمة على الرمل.
ولا يقتصر هذا الفيض على الطبيعة البكر، بل يمتد إلى ما صنعه الإنسان بانسجام؛ كمثل مدينة صغيرة وادعة، تكاد تقسم وأنت تتأملها إن الزمان قد نساها فبقيت على حالها. فتُذكر هذه المدينة المراقب المندهش بسكونها وعذوبة موسيقاها الداخلية، بأن المنطق لا يجري دوماً كما تتوهم عقولنا، وأن لكل منطقة منطِقها الخاص بها، وساعتها الزمنية التي تدور وفق إيقاع الروح لا وفق عقارب الساعات الضاغطة.
وصدق الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو Albert Camus في نقده للشاكين من عبثية العالم:
“إن أزمة العبثية لا تكمن في أن العالم يفتقر إلى المعنى، بل في أن الإنسان توقف عن الإنصات للغة العالم.”
فهذا الفيض المشاعري الذي يعترينا أمام هذه المشاهد هو ليس مجرد “تأثر عاطفي سطحي”، بل هو إدراك معرفي وفلسفي؛ إذ أنه اللحظة التي يتخلى فيها العقل عن رغبته في السيطرة والتفسير العقلاني الجاف، ليتماهى مع الوجود.
فالعدمية تفترض أن غياب “المعنى الجاهز والمصنوع بشرط بشري” يعنى الخواء. ولكن هذه الأغنية، ومعها تفاصيل الطبيعة، تخبرنا بالعكس. فالجمال هو المعنى في حالته الخام، كما يتجلى في الكثبان والطبقات الصخرية وأمواج البحر والمدن المنسية، كلها أدلة حية على أن العالم ليس فوضى، بل هو “نظام جمالي” فائق يتجاوز قدرة المنطق الصوري على الإحاطة به.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن النظر إلى العالم من خلال ترنيمة (What a beautiful world) “ما أجمل هذا العالم” هو خيار شجاع؛ خيار يرفض الاستسلام لغواية العبث. إنه اعتراف بأن هذا العالم، وعلى الرغم من كل ما يجتاحنا من مشاعر سلبية، يفيض بجمال يكفي لإنقاذ النفس من شعورها بالعدم، شريطة أن نملك العين التي تبصر، والقلب الذي ينصت لعذوبة الموسيقى الكامنة في سكون الأمكنة.
