النميمة بوصفها عدوانًا مؤجَّلًا… كيف حوَّل انفراطُ عقد العدوان الإنسانَ إلى خطرٍ على أخيه الإنسان؟

من بين جميع الظواهر التي تكشف مقدار التحول الذي أصاب العدوان بعد خضوع الإنسان لفائض التمثّل، ربما لا توجد ظاهرة أشد دلالة من تلك التي تبدو لأول وهلة بعيدةً عن العنف، مع أنها في حقيقتها إحدى صوره الأكثر خبثاً وتخفّياً والمتمثلة بـ النميمة. فالإنسان لا يعتدي على الإنسان باليد والسلاح والبطش المباشر فحسب، وإنما قد يعتدي عليه بالكلمة، وبالإيحاء، وبنقل الحديث على نحو يفسد القلوب، ويهدم الثقة، ويزرع الشك، ويستثير الأحقاد، ويفتح بين الناس أبواباً من العداوة قد تظل مفتوحة لسنوات طويلة. وهنا تتجلى إحدى أخطر نتائج انفراط عقد العدوان لدى الإنسان، فالعدوان لم يعد محتاجاً إلى صورة صاخبة أو فعل جسدي ظاهر لكي يمارس أثره، بل أصبح قادراً على أن يتلبس هيئة الكلام العابر، والهمس الخفي، والنقل الماكر، حتى يغدو الإنسان خصماً لأخيه الإنسان وهو يبتسم له، ويصافحه، ويزعم أنه إنما ينقل إليه ما سمعه حرصاً عليه ونصحاً له.
ولعل هذا هو ما يفسر شدة التحذير القرآني من كل سلوك يفسد علاقة الإنسان بأخيه الإنسان من داخلها، وليس من خارجها فحسب. فالقرآن لم يقتصر على النهي عن القتل والبطش والظلم في صوره الجلية، وإنما ذهب أبعد من ذلك إلى تفكيك البنية النفسية والاجتماعية التي تجعل المجتمع الإنساني قابلاً للتمزق والتشظي. ولهذا جاءت آيات سورة الحجرات، على سبيل المثال، لتنهى عن السخرية، واللمز، والتنابز بالألقاب، وسوء الظن، والتجسس، والغيبة؛ لأن هذه الممارسات، على اختلاف صورها، ليست في حقيقتها إلا حلقات متصلة في السلسلة نفسها: سلسلة العدوان حين يتحول من فعل مادي مباشر إلى بنية متشعبة من الأذى الرمزي والمعنوي والاجتماعي. والنميمة تقف في قلب هذه السلسلة؛ لأنها لا تكتفي بإفساد صورة الآخر في ذهن السامع، بل تسعى كذلك إلى إعادة تشكيل العلاقة بين البشر على أساس من الشك والتربص والريبة وانعدام الأمان.
ومن هنا تكتسب الحكمة المنسوبة إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: “مَن نمَّ لك نمَّ عليك” دلالة استثنائية في فهم الطبيعة الحقيقية للنميمة. فهذه العبارة الوجيزة لا تقدم مجرد نصيحة أخلاقية عابرة، ولكنها تكشف قانوناً عميقاً من قوانين السلوك الإنساني بعد انفراط عقد العدوان، وذلك أن الشخص الذي يعتاد نقل الكلام من طرف إلى آخر لا يفعل ذلك بدافع البراءة، ولا بدافع الحرص الصادق على العلاقات، وإنما يفعل ذلك لأنه وجد في هذا الفعل وسيلةً لإشباع حاجة نفسية أعمق: حاجة التسلط، أو الحضور، أو التأثير، أو إثارة الفتنة، أو التحكم بمشاعر الآخرين ومواقفهم. ولذلك فإن من ينقل إليك كلام الناس في غيرهم، لن يتورع عن أن ينقل كلامك فيك أو عليك متى وجد في ذلك مصلحةً، أو لذةً، أو فرصةً جديدة لتحريك النزاع. فالنميمة ليست موقفاً استثنائياً يتخذه صاحبها تجاه شخص بعينه، وإنما هي نمط وجودي في التعامل مع البشر؛ وهو نمط يقوم على تحويل العلاقات الإنسانية إلى مادة للاستعمال والتوظيف والاختراق.
وهنا يظهر بجلاء أن النميمة ليست مجرد انحراف أخلاقي محدود، بل هي تجلٍّ ميتابايولوجي لانفراط العدوان. ففي العالم الحيواني، قد يظهر العدوان حين يتهدد البقاء أو التنافس أو المجال الحيوي، لكنه يظل في الغالب محكوماً بوظيفة مباشرة، ومقيداً بحاجات بيولوجية يمكن فهمها. أما عند الإنسان، فإن العدوان بعد أن انفلت من وظيفته الطبيعية، فإنه لم يعد محتاجاً إلى خطر حقيقي يبرره، ولا إلى تهديد فعلي يستدعيه؛ إذ أصبح الإنسان قادراً على أن يفتعل أسباب الأذى افتعالاً، وأن ينتجها من داخله إنتاجاً، ثم يوجهها نحو الآخر لا ليدفع ضرراً واقعاً، بل ليمارس لذة خفية من لذات السيطرة أو الانتقام أو التعويض النفسي أو تضخيم الذات. والنميمة واحدة من أوضح صور هذا التحول؛ لأنها عدوان لا يطلب دفع خطر، ولا حماية مورد، ولا حفظ حياة، بل يطلب في كثير من الأحيان مجرد إفساد صفاء العلاقة بين الناس، أو إسقاط مكانة شخص في عين آخر، أو إثارة القلق في نفس مطمئنة، أو بث التوتر في جماعة كان يمكن لها أن تعيش بقدر أكبر من السلام. ومن تأمل النميمة من هذه الزاوية أدرك أنها جريمة مضاعفة بحق الإنسان. فهي، أولاً، اعتداء على الشخص الذي يُنقل عنه الكلام أو يُنقل إليه؛ لأن كلاهما يصبح ضحية لفعل لم يشارك فيه على حقيقته. وهي، ثانياً، اعتداء على العلاقة نفسها؛ لأن العلاقة الإنسانية لا تقوم إلا على قدر من الثقة والطمأنينة وحسن الظن، والنميمة تعمل على تسميم هذه العناصر واحداً بعد آخر. وهي، ثالثاً، اعتداء على الجماعة؛ لأن المجتمع الذي تنتشر فيه النميمة يتحول شيئاً فشيئاً إلى بيئة طاردة للأمان النفسي، حيث يصبح كل فرد متوجساً من الآخر، وكل كلمة قابلة لأن تُقتطع من سياقها، وكل مجلس مهدداً بأن يتحول إلى مادة خام لفتنة جديدة. وبهذا المعنى، لا تفسد النميمة فرداً واحداً أو علاقة واحدة، بل تفسد المناخ الأخلاقي العام الذي يجعل التعايش الإنساني ممكناً أصلاً.
وليس من المصادفة أن ترتبط النميمة في القرآن بجملة من الظواهر التي تنتمي إلى العائلة النفسية نفسها. فحين ينهى القرآن عن سوء الظن، والتجسس، والغيبة، فإنه لا يوزع أحكاماً متفرقة على أفعال متباعدة، بل يرسم خريطة دقيقة للكيفية التي يعمل بها العدوان حين يلبس ثوب الاجتماع البشري. فالأمر يبدأ في كثير من الأحيان بظن سيئ، ثم يدفع هذا الظن صاحبه إلى مراقبة الآخر وتتبع أخباره والتجسس عليه، ثم يتحول ما يجده أو يظنه أو يختلقه إلى مادة للغيبة والنميمة، ثم تنتقل الكلمة إلى طرف آخر، فتبدأ سلسلة من التأويلات والانفعالات والخصومات قد تنتهي بقطيعة، أو ظلم، أو كراهية مزمنة، أو عدوان صريح. وهكذا لا تكون النميمة حادثة منفصلة، بل حلقةً في مسار عدواني كامل، يكشف عن مقدار ما أصاب الإنسان من اختلال في علاقته بالآخر حين لم يعد يكتفي بأن يختلف معه أو ينافسه، بل صار يسعى إلى اقتحام عالمه الاجتماعي والنفسي وإعادة تشكيله بما يخدم أهواءه وانفعالاته.
وإذا كان انفراط عقد العدوان قد جعل الإنسان قادراً على أن يؤذي أخاه الإنسان من خلال الكلمة، فإن ما يجعل النميمة أخطر من كثير من صور العدوان الأخرى هو أنها عدوان متنكر في هيئة القرب. فالذي يضربك هو عدو ظاهر، والذي يسرقك هو خصم معلوم، أما الذي ينقل إليك الكلام بدعوى المحبة والحرص والشفقة، فإنه يقترب منك متلبساً بقناع النصيحة، بينما هو في الحقيقة يمارس فعلاً هدّاماً قد يكون أشد خطراً من العداوة الصريحة. وهذا ما يجعل النميمة من أكثر الأفعال التصاقاً بطبيعة الإنسان بعد سقوطه في فائض التمثّل؛ إذ أصبح قادراً على أن يموّه دوافعه الحقيقية، وأن يغلف عدوانه بلغة أخلاقية أو وجدانية أو اجتماعية توهم الآخرين بأنه يحسن إليهم بينما هو في حقيقة الأمر يسيء إليهم، وينصحهم وهو يفسد بينهم، ويحميهم وهو يفتح عليهم أبواب الأذى.
ولعل من أخطر ما تكشفه النميمة أنها تعبّر عن اختلال مزدوج في الشخصية الإنسانية. فهي من جهة تكشف اختلال العلاقة بالآخر، إذ لم يعد الآخر يُرى بوصفه إنساناً له حرمة وحدود وحق في أن تُصان صورته وعلاقاته، بل بوصفه مادة قابلة للاستعمال داخل لعبة اجتماعية قوامها النقل والتأثير والإفساد. وهي من جهة أخرى تكشف اختلال العلاقة بالذات؛ لأن النمّام لا يمارس هذا السلوك إلا وهو يعاني في الغالب نقصاً داخلياً ما، يحاول تعويضه من خلال التسلل إلى علاقات الآخرين والتحكم بها؛ إذ أنه يحتاج إلى أن يشعر بأن له سلطة على المشهد الاجتماعي، وأن كلمةً منه قادرة على أن تغيّر مشاعر هذا تجاه ذاك، وأن تحرّك هذا ضد ذاك، وأن تعيد توزيع الولاءات والعداوات داخل الجماعة. وبذلك تصبح النميمة صورة من صور العدوان التعويضي؛ أي العدوان الذي لا يهدف إلى دفع خطر خارجي، بل إلى ترميم خلل داخلي في النفس من خلال إيقاع الخلل في حياة الآخرين.
وهنا يبرز الفارق الهائل بين الإنسان وسائر الكائنات الحية. فالحيوان قد يعتدي بدافع الجوع أو الخوف أو التنافس، لكنه لا يشيّد أنظمة كاملة من الإفساد الرمزي والاجتماعي، ولا يتلذذ بتخريب الثقة بين أفراد نوعه عبر نقل الكلام وتأويله وتوظيفه. أما الإنسان، وبعد أن انفلت عدوانه من قيوده الطبيعية، فقد أصبح قادراً على تحويل اللغة نفسها إلى أداة افتراس. فلم تعد الكلمة عنده وسيلة تواصل فحسب، بل صارت في كثير من الأحيان وسيلة اختراق، واستدراج، وإغواء، وتحريض، وتشويه، وتفكيك. ومن هنا يمكن القول إن النميمة تمثل لحظة التقاء بين اثنتين من أخطر الخصائص التي أفرزها فائض التمثّل: العدوان المنفلت من جهة، والقدرة التمثلية للغة من جهة أخرى. فهي عدوان يمارَس باللغة، ولغة يُعاد توظيفها في خدمة هذا العدوان.
ولهذا كلّه، لا ينبغي النظر إلى التحذير من النميمة على أنه توجيه أخلاقي جزئي معزول عن الصورة الكبرى للإنسان، بل ينبغي فهمه بوصفه جزءاً من مشروع قرآني كامل يروم حماية الإنسان من الإنسان، لا في بدنه وماله فحسب، بل في سمعته، ووجدانه، وعلاقاته، وصورته في أعين الآخرين. فالقرآن، حين ينهى عن هذه الممارسات، فإنه إنما يفعل ذلك لأنه يتعامل مع الإنسان كما هو: كائن خرج عدوانه عن حدوده، ولم يعد خطره مقصوراً على المخلب والناب، بل صار خطره متمثلاً في اللسان، وفي الظن، وفي الإشارة، وفي السردية، وفي القدرة على تخريب البنية المعنوية للعالم الإنساني من داخله.
وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن النميمة هي ليست عرضاً أخلاقياً طارئاً، بل هي شاهدٌ آخر على حجم الكارثة التي جرّها على الإنسان انفراط عقد العدوان لديه؛ إذ أنها تكشف أن الإنسان لم يعد يكتفي بأن ينازع الآخر على شيء خارج عنه، بل أصبح ينازعه على صورته، وعلى مكانته، وعلى علاقاته، وعلى حقه في أن يعيش داخل جماعة لا تُنتهك فيها خصوصيته النفسية والاجتماعية كلما جلس الناس إلى بعضهم. وإذا كانت بعض صور العدوان تنتهي بانتهاء الفعل، فإن النميمة كثيراً ما تترك وراءها ندوباً لا تُرى: صداقة تنهار، وزواجاً يتصدع، وأخوةً تتآكل، وأسرةً تتشقق، وبيئة عملٍ تمتلئ بالتوجس، ومجتمعاً يفقد بالتدريج شرطه الأخلاقي الأهم: الثقة.
وهكذا تقودنا النميمة إلى نتيجة أوسع من مجرد إدانة سلوك بعينه؛ إذ أنها تكشف أن الإنسان، بعد أن انفلت عدوانه من عقاله، لم يعد خطراً على الآخر حين يغضب فقط، بل صار خطراً عليه حتى حين يتكلم. ولم يعد الأذى عنده فعلاً استثنائياً تفرضه الضرورة، بل صار في كثير من الأحيان ممارسة يومية تتسلل عبر المجالس والعلاقات والكلمات. ومن هنا نفهم لماذا شدد القرآن على تطهير المجال الإنساني من هذه السموم المعنوية، ولماذا بقيت الحكمة البليغة: “من نمَّ لك نمَّ عليك” قاعدة نافذة في فهم النفس التي استمرأت هذا اللون من العدوان؛ إذ أنها تختصر في كلمات قليلة حقيقة مرة مفادها أن من جعل من أسرار الناس ومشاعرهم وعلاقاتهم مادةً للعبث، فلن يكون مأمون الجانب مع أحد، ولن يقف عدوانه عند حد، لأنه لا يتحرك بمنطق الوفاء ولا بمنطق النصح، وإنما بمنطق الاضطراب الداخلي الذي لا يجد راحته إلا في إرباك الآخرين.
وبذلك تغدو النميمة مثالاً بالغ الدلالة على أن أزمة الإنسان مع العدوان ليست أزمة سلوك منفرد، بل هي أزمة بنية كاملة أصابت علاقته بنفسه وبنوعه وباللغة وبالمجتمع. وإذا كان الإنسان قد أصبح، بفعل هذا الانفراط، الكائن الأقدر على أن يكون مؤذياً لأخيه الإنسان، فإن من أولى خطوات مقاومة هذا السقوط أن يدرك أن بعض أكثر صور العدوان فتكاً ليست تلك التي تُراق فيها الدماء، بل تلك التي تُفسَد بها القلوب، وتُكسَر بها الثقة، ويُدفع بها الناس إلى أن يتحولوا، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، إلى أعداء بعضهم لبعض.

أضف تعليق