أبعد من عين الناظر… أنطولوجيا الجمال المستقل “A beautiful thing is beautiful by itself”

لطالما ترددت في الأوساط الثقافية والأحاديث اليومية مقولة “الجمال في عين الناظر” حتى تحولت إلى ما يشبه الحقيقة المطلقة، مكرِّسةً فكرة أن الجمال مجرد قيمة نسبية، خاضعة لمزاج المتلقي، خلفيته الثقافية، وتفضيلاته الشخصية. لكن، هل يمكن اختزال الجمال، بوصفه أحد الأقانيم الثلاثة الكبرى (الحق، الخير، والجمال)، في مجرد انطباع سيكولوجي عابر؟
إن المقولة التأسيسية “A beautiful thing is beautiful by itself” (الشيء الجميل جميلٌ بذاته) تأتي لتعيد تصحيح هذا المسار الفلسفي، مؤكدة أن للجمال وجوداً أنطولوجياً (وجودياً) مستقلاً بذاته، لا يستمد شرعيته من اعتراف الناظر به، بل يفرض حقيقته فرضاً.
فعندما نقول إن الجمال نسبي بالكامل، فإننا نجرّد الفن والطبيعة من قيمتهما الجوهرية. فمقولة “الجمال في عين الناظر” تحول العمل الفني أو المشهد الطبيعي إلى مرآة فارغة لا تحتوي على شيء سوى انعكاس ذاتية المشاهد. وفي المقابل، تؤصل عبارة “Beautiful by itself” لمقاربة مغايرة: الجمال ليس “رد فعل” بل هو “فعل” كامن في الشيء. فالوردة، أو السيمفونية، أو اللوحة التشكيلية، تحتوي على نسق داخلي، وتناغم، ونسب هندسية، وكمون إبداعي يجعلها تحوز صفة الجمال بشكل موضوعي، تماماً كالقوانين الرياضية التي تظل صحيحة سواء أدركها البشر أم جهلوها. وتتقاطع هذه الرؤية بشكل وثيق مع الفلسفة الأفلاطونية التي ترى الجمال “مِثالاً” (Idea) متعالياً وثابتاً. فالأشياء الجميلة في عالمنا المادي هي تجليات لـ “الجمال المطلق” الكامن في ذاته.
فحينما نؤكد أن الشيء الجميل جميلٌ بذاته، فإننا نُقِر بوجود نظام كوني يعتمد على التناظر، والانسجام، والوحدة في التنوع. وهذا الانسجام ليس اختراعاً بشرياً أو ذوقاً نابعاً من ثقافة معينة، بل هو بنية أصيلة في الوجود. الذوق الفني والثقافة الجمالية للناظر لا “تخلق” الجمال، بل هي مجرد “أدوات ومجسّات” تزداد رهافة لتتمكن من اكتشاف الجمال الموجود بالفعل، أو تعجز عن ذلك فلا تراه.
إن إرجاع الجمال إلى “مزاج الناظر” يوقعه في فخ السيولة الثقافية والابتذال. فإذا كان الجمال مجرد وجهة نظر، سقطت القدرة على التمييز بين التحفة الفنية والعمل الرديء، وضاعت المعايير الجمالية.
إن عبارة “الشيء الجميل جميلٌ بذاته” تمنح الشيء الجميل حصانة فلسفية؛ إذ أنها تحرره من سلطة المتلقي ونرجسيته؛ فالشيء الجميل لا يتوسل إعجابنا ليثبت وجوده، فهو يمتلك كينونته الخاصة. كما أنه إعلان عن استقلال الجمال وسلطته المتعالية.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن مقولة “A beautiful thing is beautiful by itself”  (الشيء الجميل جميلٌ بذاته) تضعنا أمام حقيقة فلسفية رصينة مفادها أن عين الناظر ليست هي الصانعة للجمال، بل هي مجرد نافذة قد تكون صافية لترى الحقيقة الجمالية كما هي، أو غائمة فتحجبها. فالجمال يظل قيمة مطلقة، وجوهراً ثابتاً في عالم متحول، وهو يشع بضيائه الخاص، اعترفنا به أم لم نعترف، ويبقى الشيء الجميل جميلاً بذاته، سواءٌ تواجد هناك من ينظر إليه أم لا.

أضف تعليق