شواطئ المجهول… دعوة لكبح الغرور العلمي وتصحيح مسار المعرفة

في غمرة الابتهاج بالمنجزات التكنولوجية المتلاحقة والقفزات الكمية التي حققها العلم الحديث، يسقط الكثير من المشتغلين في الحقل المعرفي في آفةٍ فتاكة كادت تودي بمسارات علمية سابقة. وهذه الآفة هي غرور المعرفة المستقرة. فالانشغال المفرط بالاحتفاء بما تم إنجازه، والتعامل مع النظريات السائدة كأنساق مغلقة ونهائية، يهدد مصير ومستقبل العلم ذاته؛ إذ يحوّل المنهج العلمي من أداة حية للتقصي المستمر إلى نظام عقائدي جامد يخشى طرح الاسئلة.
فالآفة الحقيقية التي تواجه العلم اليوم هي ليست قلة الإمكانات، بل هي غياب التواضع المعرفي (Epistemological Humility) . ولكي يستعيد العلم حيويته بوصفه مغامرة بشرية كبرى، يتعين على كل عالم، كلٌ حسب اختصاصه، أن يضع نصب عينيه الفجوات الهائلة التي ما زالت تنتظر التفسير، بدلاً من الغرق في مناقشات عقيمة وجدالات غير مجدية مع الفلاسفة ورجال الدين في مربعات ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا)، وهي مساحات لا يمتلك العلم أدوات قياسها ولا ينبغي له إقحام نفسه فيها. فإذا ما ترفع العلماء عن وهم “نهاية العلم”، فإن التحديات التي تواجه التخصصات الكبرى كفيلة بإعادة الرشد للمنظومة المعرفية:
1. في الفيزياء النظرية: الجهل بمكونات الوجود
فعلى فيزيائيي العصر الحديث أن يتذكروا دائماً أن النماذج الرياضية الأكثر براعة لا تفسر سوى  5%  فقط من كتلة وطاقة الكون المنظور، بينما تقف الفيزياء عاجزة تماماً أمام ماهية المادة المظلمة والطاقة المظلمة. فالانهيار التام للمعادلات عند حواف “المفردة الفيزيائية” وفي لحظة الانبثاق الكوني الأولى يُثبت أن الفيزياء النظرية ما زالت في أول الطريق، وأن معضلة توحيد القوى (الجاذبية الكمية) تتطلب ثورة فكرية تتجاوز الاختزال الرياضي الحالي.
2. في البيولوجيا التطورية: معضلات الانبثاق والتعقيد
فبدلاً من الاكتفاء بتفسير التكيف والتحور التدريجي، يتوجب على البيولوجيا التطورية مواجهة الأسئلة الكبرى بشجاعة: كيف وثبت المادة غير الحية لتصبح خلايا مشفرة جينياً وقادرة على إعادة الإنتاج الذاتي (أصل الحياة)؟ وكيف يُفسِر التراكم البطيء قفزات فجائية وهيكلية كبرى كـ”الانفجار الكمبري”؟ فالاعتراف بوجود أنظمة معقدة لا تقبل الاختزال هو الخطوة الأولى نحو توسيع الأفق البيولوجي واستيعاب أبعاد أعمق للحياة.
3. في علم النفس والعلوم العصبية: لغز الذات والوعي
فعلم النفس اليوم يقف على عتبة الجدار الأكثر غموضاً: “المشكلة الصعبة للوعي”. فالانشغال برسم الخرائط العصبية وتحديد التفاعلات الكيميائية للدماغ لم ولن يفسر، بمفرده، كيف ينبثق الإحساس الذاتي والوعي بالوجود من مادة رمادية مصمتة. كما أن تأثيرات العقل على الجسم (كالوهم الشافي) والظواهر السلوكية والنفسية الاستثنائية التي تتجاوز التفسير المادي المباشر، تُعد إقراراً صارخاً بأن النفس البشرية ما زالت لغزاً مستعصياً على القولبة.
إن خطورة الغرور العلمي تكمن في أنه يعمي الباحث عن رؤية “الشذوذات المعرفية” (Anomalies)؛ تلك الظواهر المرصودة بدقة والتي لا تتوافق مع النظريات المستقرة. فعندما يقرر العلم استبعاد ظاهرة ما أو إنكارها لمجرد أن نماذجه الحالية تعجز عن تعليلها، فإنه يتحول من جهة استكشافية إلى جهة رقابية. فلو تخلى العلم عن هذا الغرور، لتوجهت الجهود والأموال البحثية نحو:
• تطوير مناهج تفكير جديدة تتجاوز التفكيك والاختزال (Reductionism) نحو فهم “الأنظمة المركبة” والعلاقات المتداخلة بين الظواهر.
• الانفتاح على الظواهر الشاذة وذلك بدراسة الحالات الاستثنائية والظواهر الباراسايكولوجية والفيزيائية المستعصية بروح موضوعية حرة، لا بروح الإدانة المسبقة.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الوجهة الحقيقية للعلم لا ينبغي ان تتمثل في خوض معارك إيديولوجية وسجالات جدالية مع الميتافيزيقا، ولكن ينبغي ان تتمثل في العودة إلى محرابه الأصيل المتمثل في تقصي الألغاز المرصودة في عالم الشهادة والواقع. فعلى العلم أن يتذكر أن قيمته لا تكمن في تقديم إجابات نهائية مريحة، بل في قدرته على صياغة أسئلة أفضل. فإقرار العلم بعجزه هو ليس إعلان هزيمة، بل هو إعلان سيادة المنهج العلمي الحقيقي؛ وهو المنهج الذي يرى في كل لغز غير مفسر دعوة مفتوحة للدهشة، وللبحث، وللتواضع أمام كونٍ لا يزال يخفي أعظم أسراره.

أضف تعليق